النساء رائدات الاستدامة والتغيير في العالم العربي والسودان

صحيفة الهدف

د. امتثال بشير

تضجّ المنصات الإعلامية بالحديث عن مساواة المرأة بالرجل، عطفًا على دورها وإسهاماتها في نهضة المجتمعات. وقد جاء الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة داعيًا صراحةً إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، وتمكين جميع النساء والفتيات اقتصاديًا، وحمايتهن من مختلف أشكال التمييز والعنف، ولا سيما الانتهاكات الناتجة عن الحـ.روب والنـ.زاعات.

ويتطلّب تحقيق هذا الهدف مزيدًا من الالتفاف حوله، وتوحيد الرؤى، والعمل بصورة استراتيجية، للحفاظ أولًا على حق المرأة في الحياة الكريمة، مع التأكيد الكامل على دورها المجتمعي الرائد، وأحقيتها في التمتّع بالمكانة التي كرّمتها بها الرسالات السماوية. فقد باتت المرأة اليوم ضلعًا رئيسًا وذراعًا أساسيًا في بناء المجتمع ونهضته، وشريكًا فاعلًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويأتي التأكيد على حقوقها الأصيلة في التعليم والعمل كأولويات لا غنى عنها، تعزيزًا لانطلاقتها ومشاركتها الفاعلة، فضلًا عن ضمان تكافؤ الفرص في تولي المناصب القيادية، بما في ذلك مواقع صنع القرار.

ولم يقتصر دور المرأة على الحيز الاجتماعي الذي صُمّم لها بحكم تركيبتها البيولوجية، بل تجاوز ذلك لتصبح صوتًا للبيئة وقائدة للتغيير. ففي ظل تسارع آثار التغير المناخي وتفاقم الأزمات والصراعات، خاضت المرأة في السـ.ودان والعالم العربي معركتها، وتصدّرت قلب مشاريع الاستدامة والاقتصاد الأخضر. فمن قرى السـ.ودان التي تناضل ضد التصحّر، إلى مدن الخليج التي تتبنى التكنولوجيا الخضراء، نجد النساء في الصفوف الأمامية لصناعة حاضر ومستقبل أكثر توازنًا وعدالة. وقد تحوّلت المرأة من متأثرة بالأزمات إلى صانعة للحلول، لا سيما نساء المناطق الريفية والزراعية، اللواتي هزمن قسوة الواقع بالابتكار والمبادرة.

في السـ.ودان، حيث يعاني أكثر من 60% من السكان من تحديات بيئية متزايدة، برزت النساء في طليعة المبادرات المجتمعية الهادفة إلى مكافحة التصحر وحماية الموارد الطبيعية، من خلال مشاريع التشجير المجتمعي وإدارة الموارد. ففي شمال كردفان، تقود جمعية النور النسوية مشروعًا لتشجير 100 هكتار من الأراضي المتدهورة بدعم محلي ودولي. وفي شرق السـ.ودان، أطلقت نساء مبادرة لتحويل نفايات المحاصيل الزراعية إلى فحم حيوي بديل عن الفحم التقليدي الضار. أما في العاصمة الخرطوم، فتعمل مهندسات شابات على تطوير حلول منخفضة التكلفة لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في الزراعة، وهو غيض من فيض من مبادرات نسوية واعدة.

وعلى امتداد العالم العربي، برزت نماذج ملهمة لرائدات في الاقتصاد الأخضر والاستدامة. ففي المغرب، أنشأت رائدة أعمال شابة شركة لتحويل الزيوت المستعملة إلى وقود حيوي. وفي الأردن، تدير نساء مشاريع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في المناطق الفقيرة. وفي الإمارات العربية المتحدة، تشارك مهندسات في تطوير واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، وهو مشروع نور أبوظبي. لقد صنعت المرأة الحلول دون انتظارها من الخارج، وفرضت حضورها بالفعل لا بالشعارات.

ورغم ذلك، لا تزال المرأة تواجه عقبات عديدة، أبرزها ضعف التمويل والدعم المؤسسي، خاصة للمشاريع البيئية، إلى جانب غياب التدريب التقني المتخصص في المناطق الريفية، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى التمثيل النسائي في السياسات البيئية ومواقع صنع القرار. غير أن هذه التحديات بدأت تشهد تراجعًا تدريجيًا، مع تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا البيئة وتغير المناخ، ولا سيما من قبل المنظمات الدولية.

ختامًا، أثبتت المرأة عبر المبادرات والمشاريع قدرتها على إحداث التغيير الاقتصادي والاجعي، بل وحتى السياسي، مؤكدة أنها رائدة وقائدة في التنمية واستدامتها. وانطلاقًا من وعي المرأة بالابتكار، خاضت المرأة العربية والسودانية معارك حقيقية لإثبات أن العمل البيئي ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. وبقدرتها على الابتكار، وفهمها العميق لحاجات المجتمع، أصبحت صوتًا أساسيًا في معركة الحفاظ على الكوكب.

إن دعم النساء في مجالات الاقتصاد الأخضر والاستدامة لا يخدم البيئة فحسب، بل يسهم في تحقيق تنمية شاملة وعادلة وقادرة على الصمود في وجه الأزمات. ومن هنا، تقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية العمل من أجل أن تصبح المرأة مستقبلًا رائدة للتنمية المستدامة في السـ.ودان والعالم العربي، عبر تحفيز وتشجيع المبادرات النسائية، مهما بدت بسيطة، فهي بلا شك قادرة على إحداث التغيير، والمساهمة في نقل التنمية الاقتصادية من الأسرة إلى المجتمع بأسره.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #المرأة_العربية #الاقتصاد_الأخضر #السودان #التنمية_المستدامة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.