على التلّة.. في صحراء الأنبار

صحيفة الهدف

د. مصطفى العميري

في صحراء الأنبار،

حيث يقف العراق عارياً من الحلفاء، ومثقَلاً بالخرائط،

بدأت الحكاية في أيّام (أمّ المعارك)،

حين صار الزمن يرتدي بدلة طوارئ،

ولا يعترف بالغد إلا كاحتمالٍ مؤجَّل.

كنّا طلاباً، نحمل دفاتر لم تُغلَق بعد،

مدناً صغيرة في الجيوب،

وأحلاماً لم تتعلّم بعد كيف تُصغِّر نفسها لتنجو.

اخترنا الطريق الذي لا لافتة له،

ليس لأننا نُجيد القتال،

بل لأن العراق كان يُطرَق بعنف،

ولأن الصمت كان أكثر قسوةً من الخطأ.

البدلة العسكرية كانت أوسع من جسدي، وأضيق من روحي،

والكلاشينكوف على كتفي لم يكن سـ.ـلاحاً،

بل سؤالاً يجرّ سؤالاً،

وثلاثة مخازن رصاص تضغط خاصرتي،

كأنها تعدّ ما تبقّى من احتمالاتي.

الصعود إلى التلّة لم يكن مسافة،

بل محاولة لرؤية الأشياء أصغر:

الخرائط، الأوامر،

وفكرة المـ.ـوت حين تفقد نبرتها الرسمية.

البندقية تثقل بما غاب عنها:

أصابع رفاقي الذين يؤجّلون المـ.ـوت

إلى ما بعد النكتة، والرسالة، والحب.

الآن هم خفّة موجعة تسكن صدري،

كأن الشهداء لا يرحلون،

بل يغيّرون طريقة الجلوس داخل القلب.

جلست في منتصف الصعود،

أخرجت ورقةً وقلماً،

كما يُخرج المرء شيئاً قديماً

ليتأكّد أنه ما زال هو نفسه.

كتبت كلمةً، فارتجفت.

كتبت ثانية،

ثم انسحبت اللغة،

كما تنسحب الحقيقة حين يقترب صوت الحديد.

أغمضت عينيّ:

رأيت أمي،

رأيت بغداد،

رأيت امرأةً لم أصل إليها،

ورأيت رفاقي يضحكون ضحكةً قصيرة،

كأن الوقت لا يُسعف النكات.

فتحت عينيّ،

كانت الورقة بيضاء،

ممتلئة بما لا يُقال.

فهمت هناك، على التلّة،

أن القصيدة لم تفشل،

وأن اللغة لم تخُن.

الحـ.ـرب كانت أكبر من أن تُسمّى،

وأقسى من أن تُشرَح.

وعندما نهضت لأكمل الصعود،

أدركت أن اللغة لم تعجز أمام الحـ.ـرب،

بل اختارت أن تصمت

كي لا تصبح جزءاً منها.

#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_العميري #أدب_المقاومة #العراق #ذاكرة_الحـ.ـرب #شعر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.