تفكك الدولة القطرية وصعود الوكلاء: قراءة قومية في خرائط النفوذ من غزة إلى القرن الإفريقي

صحيفة الهدف

أ‌. ماجد الغوث                                   أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة                  

قراءة فلسفية–جيوسياسية في شبكة العلاقات: اليمن، الخليج، القرن الإفريقي، والسودان

مقدمة: لم تعد الصراعات في منطقتنا تُفهم بوصفها نزاعات داخلية معزولة، ولا يمكن قراءتها بمنطق (الدولة مقابل الدولة) وحده، بل باتت تعبيرًا عن تفكك المجال العربي وتحوله إلى مسرح تتقاطع فيه الوكالات، والتحالفات المرنة، والمشاريع الإقليمية المتنافسة. وفي قلب هذا المشهد، تظهر اليمن – ومعها السودان والقرن الإفريقي – بوصفها عقدة استراتيجية كبرى، لا تُدار بذاتها، بل يُعاد تشكيلها عبر شبكة معقدة من العلاقات: المجلس الانتقالي الجنوبي بالإمارات، الحوثيون بإيران، الكيان الص.هيوني.بالإمارات والسودان وإثيوبيا وأرض الصومال، ومصر بالبرهان، والإمارات  بحميدتي.

في هذا السياق، يُستخدم مفهوم (الوكيل) للدلالة على فاعل محلي يمتلك قدرة عسكرية أو سياسية مستقلة نسبيًا، لكنه يعمل ضمن شبكة مصالح خارجية، بحيث تتحول الدولة من فاعل سيادي إلى ساحة تنافس بين وكلاء.

الجذور التاريخية: من الاستعمار المباشر إلى الوكالة:

المرحلة الأولى (الاستعمار الكلاسيكي):

– 1884: مؤتمر برلين وتقسيم إفريقيا

– 1916: سايكس-بيكو وتقسيم المشرق العربي

المرحلة الثانية (الدول الوطنية الهشة):

– 1945-1970: استقلالات شكلية ودول تابعة

– 1979: صفقة كامب ديفيد وبدء تفكيك الجبهة العربية

المرحلة الثالثة (عصر الوكالات):

– 2003: غزو العراق ونشر نظام المحاصصة

– 2011: الربيع العربي وتحول الثورات إلى ح.روب بالوكالة

أولًا: المجلس الانتقالي الجنوبي والإمارات – دعم أم إعادة هندسة الجنوب؟:

منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، برزت الإمارات العربية المتحدة بوصفها الداعم الأكثر تأثيرًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا له. فالإمارات، وإن كانت جزءًا من التحالف العربي، الذي تدخل في اليمن عام 2015 لدعم الحكومة الشرعية ضد الحوثيين، اتخذت مسارًا خاصًا في الجنوب، حيث دعمت المجلس الانتقالي في سعيه للحكم الذاتي.

تشير تقديرات مراكز أبحاث دولية، من بينها تقارير صادرة عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، إلى أن حجم الدعم العسكري الإماراتي لقوى محلية في جنوب اليمن خلال الفترة (2018–2022) بلغ مستويات غير مسبوقة، ما يعكس تحول الدعم من إطار التحالف إلى إعادة هندسة النفوذ.

أبعاد العلاقة:

– عسكريًا: قدمت الإمارات تدريبًا وتسليحًا لقوات المجلس، وأسهمت في إعادة هيكلة قوات الأمن الجنوبية، ما منح المجلس قدرة ميدانية مستقلة عن الحكومة المركزية.

– سياسيًا: دعمت الإمارات حضور المجلس في المحافل الإقليمية والدولية، وسهّلت – أحيانًا – التفاوض بينه وبين الحكومة اليمنية.

– اقتصاديًا: موّلت مشاريع بنية تحتية وخدمات عامة، خصوصًا في عدن، ما عزز شرعية المجلس محليًا.

لكن هذه العلاقة، على قوتها، ليست بلا توتر؛ إذ تظهر خلافات تتعلق بالسياسات المحلية، وبحدود الدور الإماراتي، وبسقف الطموح الجنوبي نفسه. وهنا تبرز المفارقة: هل المجلس الانتقالي شريك استراتيجي، أم أداة ضمن مشروع أوسع لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية لجنوب اليمن؟

ثانيًا: الحوثيون وإيران – شراكة مقاومة أم تلاقٍ مصالح؟: علاقة الحوثيين بإيران تُعد من أكثر العلاقات إثارة للجدل في الصراع اليمني. فمنذ عام 2009، تعزز الدعم الإيراني للحوثيين عسكريًا وماليًا، ضمن رؤية إيرانية تهدف إلى:

– توسيع نفوذها الإقليمي،

– موازنة النفوذ السعودي،

– وتعزيز ما يُسمّى بمحور المقاومة.

مظاهر الدعم:

– تزويد الحوثيين بصواريخ بالستية وطائرات مسيّرة.

– تدريب عسكري ودعم استخباراتي.

– إسناد سياسي في مواجهة التحالف السعودي.

لكن المثير هنا أن بعض الخبراء لا يرون الحوثيين وكلاء خالصين لإيران، بل شركاء لهم هامش استقلالية في القرار. هذه العلاقة إذن ليست تبعية ميكانيكية، بل تقاطع مصالح ظرفي، جعل من اليمن ساحة صراع إقليمي مفتوح.

ثالثًا: الإمارات، إيران، واليمن – تناقض الصراع وتعايش المصالح: العلاقة بين إيران والإمارات تتسم بتوتر مزمن، خاصة بسبب الجزر الإماراتية المحتلة، ومع ذلك شهدت محاولات تهدئة وحوار، من بينها زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى. المفارقة أن الطرفين: (يتواجهان سياسيًا، لكنهما يتقاطعان بشكل غير مباشر على أرض اليمن).

الإمارات تدعم المجلس الانتقالي، وإيران تدعم الحوثيين، وكلاهما يسهم – بوعي أو دون وعي – في إضعاف الدولة اليمنية المركزية، ما يجعل اليمن ساحة تصفية حسابات إقليمية أكثر منها دولة ذات سيادة.

رابعًا: السودان… ساحة أخرى لإعادة التموضع الإقليمي:

1. محمد حمدان (حميدتي) والإمارات : العلاقة بين قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) والإمارات اتسمت بالتقلب. فقد دعمت الإمارات، بعض الأنشطة الاقتصادية والتنموية في السودان، وربما شمل ذلك أطرافًا عسكرية. لكن هذه العلاقة: (غير مستقرة، ومتأثرة بالصراع الإقليمي بين الدوحة وأبو ظبي، وبالتحولات السياسية داخل السودان).

لا يمكن فهم الصراع السوداني بوصفه تنافسًا شخصيًا بين قادة عسكريين، بل بوصفه صراعًا على من يمثل الوكيل الأكثر قدرة على ضبط الموارد، والموانئ، والذهب، والحدود، ضمن شبكة النفوذ الإقليمي.

2. عبد الفتاح البرهان والقاهرة: في المقابل، تتسم علاقة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمصر بالدفء والتعاون:

– أمنيًا: تنسيق في مكافحة الإرهاب والتهريب.

– اقتصاديًا: اتفاقيات تجارة واستثمار.

– سياسيًا: دعم مصري واضح للاستقرار السوداني.

ورغم وجود تحديات (المياه، الحدود)، فإن القاهرة ترى في البرهان ضمانة لأمنها القومي الجنوبي.

خامسًا: الكيان الص.هيوني… اللاعب الصامت–الفاعل:

1. الكيان الص.هيوني والإمارات: اتفاقيات إبراهيم عام 2020 فتحت باب تطبيع شامل: (تعاون أمني واستخباراتي، استثمارات اقتصادية واسعة، شراكة استراتيجية تتجاوز فلسطين إلى الإقليم).

2. الكيان الص.هيوني والسودان (البرهان): السودان أبدى استعدادًا للتطبيع، مع وجود تقارير عن تعاون أمني، مرتبط بمكافحة الإره.اب، لكن المسار مرهون بالتوازنات الداخلية.

3. الكيان الص.هيوني وإثيوبيا: تعاون زراعي وأمني ودبلوماسي، يجعل إثيوبيا ركيزة (للكيان الصهيوني) في القرن الإفريقي، خاصة في ظل ملف مياه النيل.

4. الكيان الص.هيوني وأرض الصومال: في عام 2024، وُقّعت اتفاقية لإقامة علاقات دبلوماسية بين الكيان الص.هيوني وأرض الصومال، مع توقع تعاون أمني واقتصادي. هنا يتضح البعد الأخطر: الاعتراف بكيانات غير معترف بها دوليًا، بما يخدم اختراق البحر الأحمر وباب المندب. وتتضمن الاتفاقية تأجير ميناء بربرة لمدة 30 سنة مقابل استثمارات للكيان الص.هيوني تقدر بـ 500 مليون دولار.

خاتمة: (من الدولة إلى الوكالة – سؤال المصير العربي): ما يجمع هذه العلاقات كلها ليس التحالف أو العداء في حد ذاته، بل تفكك الدولة الوطنية العربية وتحولها إلى ساحة نفوذ. المجلس الانتقالي، الحوثيون، حميدتي، البرهان، وحتى بعض الكيانات في القرن الإفريقي، جميعهم يتحركون داخل فضاء إقليمي تُدار فيه الصراعات بالوكالة، وتُعاد فيه صياغة الجغرافيا وفق مصالح خارجية.

بعد قصف السعودية للسفن الإماراتية المحملة بالأسلحة المتجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي – الذراع الإماراتي في اليمن – هل يشجع ذلك القاهرة على قصف جماعة آل دقلو (الذراع الإماراتي في السودان)؟

المجلس الانتقالي اليمني يسعى إلى تعميق تشطير اليمن إلى شطرين: جنوبي يسيطر عليه لصالح الإمارات، وشمالي يسيطر عليه الحوثيون لصالح إيران. وكذلك السودان، فـ”دويلة” في بورتسودان تأتمر بأوامر السيسي (مصر)، و”دويلة” في نيالا تأتمر بأوامر حكام الإمارات.

والآن في الصومال، تظهر محاولات لإقامة “دويلة” تطل على المحيط الهندي تُسمى “أرض الصومال”، تقف إثيوبيا من ورائها بدعم من الكيان الص.هيوني، على حساب وحدة أراضي الصومال… كل ذلك مبني على فكرة تقسيم فلسطين إلى قطاعات: قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس المحتلة.

السؤال الجوهري لم يعد: من مع من؟ بل: من يملك القرار، ومن يدفع الثمن؟

وما لم يُستعاد مشروع الدولة الوطنية المستقلة، ذات القرار السيادي، فإن المنطقة ستبقى رهينة لهذه الشبكات، حيث تُدار الأوطان كملفات، لا كأوطان. نحو استراتيجية عربية مضادة: تتضمن:

1. المستوى الوطني:

أ‌. إعادة بناء الدولة: استعادة احتكار العنف الشرعي.

ب‌. الاقتصاد المنتج: تقليص اعتماد النخب على التمويل الخارجي

2. المستوى القومي:

أ‌. التكامل الاقتصادي العربي: سوق عربية مشتركة كبديل عن التبعية.

ب‌. الحوار الاستراتيجي: تنسيق سياسات الأمن القومي العربي.

3. المستوى الدولي:

أ‌. الشراكات المتوازنة: علاقات خارجية متعددة المحاور.

ب‌. القانون الدولي: تفعيل آليات منع التدخل في الشؤون الداخلية

الخلاصة: إن ما تشهده اليمن، والسودان، والصومال، ليس سوى تجليات مختلفة لمنطق التفكيك ذاته: كيانات سياسية تتشكل وفق خطوط نفوذ إقليمي، على نحو يذكّر بتجربة تفتيت القضية الفلسطينية إلى جغرافيا مجزأة بلا سيادة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.