صلاح الدين أبوالقاسم
جلا يمكن فهم موقف الإخوان المسلمين من فكرة الوطن من زاوية سياسية فقط، بل من خلال جذوره الفكريةواللاهوتية، التي تشكّل جوهر خطابهم. فالعقيدة الحركية للإخوان تقوم على تصور “أممي” يجعل الولاء الأولللتنظيم ولـ“الأمة” المتخيّلة، لا للشعوب والدول القائمة. هذا التصور ليس اجتهادًا سياسيًا بقدر ما هو قراءةانتقائية للنصوص تُسقَط على الواقع لخدمة مشروع حزبي.
في الفكر الإخواني، الوطن ليس قيمة بذاته، بل “مرحلة” أو “مسرح” لإقامة ما يسمونه “المجتمع الإسلامي“. هذهالرؤية تتعارض جوهريًا مع المفهوم الحديث للدولة الوطنية، الذي يقوم على المواطنة والحدود والسيادة. ففياللاهوت السياسي عند الإخوان، البيعة للتنظيم تتقدم على العقد الاجتماعي، والسمع والطاعة لقادة الجماعة تتجاوزالولاء للمؤسسات الشرعية للدولة.
وتجربة السودان كانت النموذج الأكثر وضوحًا لهذا الانحراف:
فحين تمكنت الحركة الإسلامية من السلطة، تعاملت مع الدولة كأداة في يد “الجماعة“، لا ككيان جامع لشعبمتنوع. تم استخدام الفقه السياسي لتبرير الاستحواذ على المؤسسات و“التمكين” بوصفه واجبًا شرعيًا، بينما جرىتوصيف الخصوم بأنهم “أعداء المشروع الإسلامي“، مما فتح الباب لتكفيرهم سياسيًا، وتجويز الح–رب عليهم، حتىلو كان ذلك يعني إشعال النزاعات داخل الدولة نفسها.
اللاهوت الحركي عند الإخوان جعل السلطة “غنيمة شرعية“، وجعل الانتماء الوطني مسألة ثانوية أمام الانتماءالعقائدي. ولذلك لم يترددوا في تقسيم المجتمع، وإضعاف الجيش، وتسليح الميليشيات، وتمزيق النسيجالاجتماعي—كل ذلك تحت غطاء ديني يُقدَّم بوصفه جهادًا أو إصلاحًا.
إن انهيار الدولة السودانية، وتشظي الوطن، ليس حدثًا عارضًا، بل نتيجة منطقية لفكرٍ يرى السلطة تكليفًا إلهيًا، ويرىالتنظيم جماعةً “منقذة“، ويرى الوطن مجرد مساحة لتطبيق مشروع لا علاقة له بواقع الناس ولا احتياجاتهم. وهكذا تحوّل اللاهوت الإخواني إلى وقود سياسي دمّر الدولة وأضعف المجتمع، ليبقى السودان واحدًا من أكثرالنماذج وضوحًا على خطورة تحويل الدين إلى مشروع حزبي خارج إطار الدولة الوطنية.

Leave a Reply