حين تُؤمَّن حقول النفط وتُترك الأرواح لمصيرها أيُّ منطق هذا؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في مشهد يلخّص مفارقة الأزمة السودانية بأكملها، تتقدّم الحسابات الاقتصادية على الأخلاق، وتُفتح الأبواب أمامحلول سريعة لحماية النفط، بينما تُغلق في وجه كل مبادرة جادة لحماية الإنسان. فخلال الساعات الماضية، كشفتحكومة جنوب السودان عن اتفاق ثلاثي غير معلن يقضي بدخول قواتها إلى منطقة هجليج لتأمين المنشآت النفطيةوضمان استمرار تدفّق الخام عبر الأنابيب. اتفاق جرى إنجازه بهدوء، عبر اتصالات مباشرة، وتفاهمات لم تدم طويلاً،وبلا تصريحات غاضبة أو مواقف متصلّبة.

هذا التطوّر يُظهر بوضوح أن الأطراف المتحاربة  مهما تعمّقت خلافاتها قادرة على التفاهم حين تكون المصالحالاقتصادية على المحك. وأنّ خطوط التواصل، التي تُقطع وتُرفض حين يتعلّق الأمر بوقف إطلاق النار أو فتح ممراتإنسانية، يمكن أن تُستدعى فوراً حين يتعلّق الأمر بضمان استمرار العائدات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه

لماذا يصبح التفاوض ممكناً عندما يكون الهدف حماية النفط، ويستحيل عندما يكون الهدف حماية الإنسان؟

هذه المفارقة تكشف جانباً مظلماً من عقل إدارة الحرب في السودان  استعداد الأطراف للقبول بقوات أجنبية لتأمينمنشآت اقتصادية، مقابل رفضها حتى الجلوس إلى طاولة حوار يمكن أن تُنقذ آلاف الأرواح. وكأنّ الثروات أولىبالرعاية من المواطنين الذين يموتون يومياً بالقصف والجوع والمرض.

إنّ ما جرى في هجليج ليس اتفاقاً سيئاً في جوهره؛ بالعكس، هو خطوة عقلانية لضمان استمرار شريان اقتصاديمهم. لكنّ مشكلته أنه جاء ليُعرّي غياب العقلانية نفسها في الملفات التي تُهدّد وجود السودان وشعبه. فإذا كانتالأطراف قادرة على التواصل لإنقاذ النفط، فلماذا تعجز عن التفاهم لفتح ممر إنساني واحد؟ وإذا استطاعتالاستجابة السريعة لمطلب اقتصادي، فلماذا تُغلّ يدها عند مطلب أخلاقي يتعلق بحياة الإنسان وكرامته؟

البلاد تحتاج اليوم إلى الإرادة ذاتها التي حمت المنشآت النفطية، ولكن لغاية أكبر وأسمى

هدنة توقف نزيف الدم، وتسمح بوصول الغذاء والدواء، وتعيد للإنسان السوداني حقه البديهي في الحياة.

فما قيمة النفط إذا جفّت الأرواح التي كان ينبغي أن تزدهر بخيراته؟

وما جدوى خطوط الأنابيب إذا كانت تُغذّي دولة تنهار فوق رؤوس مواطنيها؟

في نهاية المطاف، يظلّ السؤال الأخلاقي معلّقاً في وجه الجميع

هل يمكن أن يكون النفط أغلى من الإنسان؟

الإجابة ليست في التصريحات  بل في الأفعال التي يختارها صُنّاع الحرب أو يرفضونها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.