الفأل تحت اللسان..

صحيفة الهدف

ليلى صالح

بصراحة، خِفتُ جدًّا من منشور الأرو. كان خوفًا يشبه سماع صدى الوجع قبل أن يصل، وكأن الكلمات حملت نبوءة ثقيلة لم أطلبها، بل تورّطت فيها دون قصد. شيءٌ خفيّ في داخلي همس أن الأرواح حين تتوجّس طويلًا تستدعي ما تخافه، فقررت أن أغيّر النغمة وأتحايل على الغيب، أن أعتذر له عن خوفي الزائد، وأن أستبدل اللعنة بفأل.. لعل الفأل يصل قبل أن يصل الحزن.

الأرو لا يأتي من الخارج، بل يصعد من تحت الجلد، من منطقة لا اسم لها، كأن شيئًا فينا يعرف قبل أن نعرف. كأن الحزن يمرّ بالتجربة ليمنح حدس الروح دليلًا إضافيًا، وكأن الحياة تقترب منا بحذر لتهمس: انتبه، هناك وجع قادم. لا شيء يوجع أكثر من رؤية ظلّ ما سيحدث قبل أن يحدث، ومن الإحساس بالغياب وهو ما يزال على قيد الحضور.

لهذا أبحث عن الفأل ليس كخلاص جاهز، بل كت.مرّد واعٍ، رسالة صغيرة للعتمة تقول فيها الروح: “سمعتك، لكنني سأختار النور”. أفتّش تحت اللسان عن نواة ضوء صغيرة، عن جملة قد توقف لعنة الأرو. فالفأل عندي ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل تم.رّد واعٍ، رسالة صغيرة للعتمة تقول فيها الروح: “سمعتك، لكنني سأختار النور”.

الفأل بذرة انتظار؛ كلمة إذا نُطقت بخير ارتجفت في الهواء مثل نداء يولد لأول مرة. لكن السؤال يظل قائمًا: هل تكفي كلمة واحدة لتعيد ترتيب الدم في العروق؟ هل تمتلك الكلمة القدرة على صدّ ما رآه القلب قبل أوانه؟

الفأل في جوهره جسارة الهمس في وجه الخوف، أن تبتسم وأنت ترتجف، أن تزرع الورد في فم الرماد وتنتظر ندى لم يُخلق بعد. فالكلمة ليست صوتًا فقط، بل كائن يخرج من الفم عاريًا يبحث عن معنى؛ إن صدّقناه صار جناحًا، وإن خذلناه صار لعنة. ولعل الأرواح تحتاج أحيانًا إلى “كذبة بيضاء” لتواصل السير، إلى وهم صغير تتشبّث به كي لا تتفكك.

فهل يكفي هذا الفأل الصغير ليقنع الحزن أن يتراجع؟ وهل يسمع الكون همسي حين أقول: اللهم اجعله خيرًا؟

الفأل صلاة بلا قبلة، واعتذار خفي للغيب الذي رأى أكثر مما ينبغي. إنه قنديل مكسور ما زال يضيء بكسوره، مثل قلب يؤمن أن الغد موجود، حتى لو لم يصل بعد. لذلك أفتح فمي على وردة، وأقول لنفسي: لا تخافي.. الكلمة جسر، وسترة، وطريق نحو الصباح. فما نخشاه ينتظر أن ننطقه، وما نحلم به ينتظر الكلمة الأولى.

وأقولها كما تُقال التعاويذ، لا بصوت، بل بروح تستقر في الهواء كالندى: اللهم اجعله خيرًا.

ولا للح.رب.

#ملف_الهدف_الثقافي #الفأل_تحت_اللسان #حدس_الروح #ليلى_صالح #ت.مرد_الوعي #كلمة_الأرو #الخوف_والرجاء

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.