صباح ومجتبى: فصل جديد في حكاية الحياة

صحيفة الهدف

بابكر الوسيلة

كانت أمسيةً جميلةً لنا دون “أسَّوية” وبقيَّة العقد العزيز (الَّذي لم يولد بعد آنذاك). المكان كان بهيَّاً ومورَّداً بحديقة الرِّيفيرا بالموردة، والزَّمان بداية ألفيَّةٍ ثانيةٍ لم تتآلف بعدُ مع مَن لم يُعرف مِن أين أَتَوا، هؤلاء.

تجوَّلنا أنا وصباح في المكان، حسب رغبتها الطفوليَّة وإلحاحها في التَّنزُّه بهواءٍ عاطرٍ خارج البيت.

كان عُمُرُها لا يتجاوز الأربع وقتها، قمنا بالعديد من ممارسة ألعاب الحديقة المخصَّصة للأطفال، وكان من بينها لعبة الحصان المتحرِّك. قلتُ أعلِّمها ركوبَ الخيل (فيما كنتُ معها أتعلَّم بصبر ركوبَ الخيال). تنزَّهنا بكلِّ فرحتنا بالعالم ورجعنا ممتلئين بمتعةٍ و”غيظٍ” ندَّخره لأسَّوية عند باب البيت.

ذهبنا أبعدَ، أُسرةً وآصِرةً، في الحبِّ والحياة، وشيئًا فشيئًا عرَفت “صباح” مسارَها الأكاديميَّ النَّاجح، ورويدًا رويدًا تعلَّمت “ركوب الرَّاس” مع صُويحباتها في وهج المواكب، ولشدَّ ما أسعدني أنَّها انخرطت بفاعليَّة في لجنة مقاومة “حيِّنا” (كان ذلك يعني لي النُّضجَ وتشغيل طاقة الحياة بقوَّة)، إذ فتح لها حراكها مع المجتمع أفقًا، ما كان لينفتح لها ولمن هُم في عمرها لولا تباريك هذه الثَّورة الدِّيسمبريَّة العظيمة، الَّتي عمَّدها الشَّباب بالدَّم الأخضر (ولهم في المستقبل القريب شعلة أخرى أكثر توهُّجًا، وعظيمة تُنير التَّاريخ بكلِّ طاقة الأمل؛ إذ لا شكَّ عندي في ذلك البتَّة).

قبل أيَّام قليلة جميلة، أصبحت “صباح” عروسًا. سعدنا بكلِّ ما تملك أواصرُ الأسرة من أحضان، وتعانقنا من الداخل. فرحنا لها ولنا بانتصار الحياة رغم هذا الزَّمن العدو اللَّدودِ، الَّذي يقاتل بطراوة لمحونا من خريطة المكان الَّذي أوجدنا من الحبِّ والتَّضحية.

بكيتُ بكيتُ بكيت، لأنَّ ثمَّة زمناً جميلاً مرَّ من بين الزَّغاريد دون معانقة إخوتي وأصدقائي وأهلي البعيدين، ودون أن أرقصَ بكلِّ أجنحتي أمام بهجتنا الأُسريَّةِ الخاصَّةِ وسط الأهل بمعيَّة العالم، وأنا بكامل عافية الرُّوح وكبرياء الأبوَّة (وسط دائرة بلدٍ ينزف من كلِّ مسامه).

لن يكون مكانك في البيت شاغرًا يا صباح أبدًا، سنملؤه حتماً بابتساماتك، دعاباتك، استماعك لفيروز، صلواتك، مشاحناتك و”منى” في أبسط أشياء البيت، وحتَّى كلماتي الحارَّة الَّتي أرميها إليك كجمرٍ طيِّبٍ بافتراض حسن التَّربية (يا لغبائي!).

مبارك عليك يا صباح هذا الفتى الجميل “مجتبى” الَّذي سيكون لا شكَّ (حسب فطرتنا الإلهيَّة في محبَّة الناس) رجلاً يعلَّمك بطريقةٍ أخرى ركوبَ خيول الحياة ويملؤ مكانك وزمانك بعافية العيش بأكثر من معجزة.

لن نتمنَّى لكما السَّعادة فحسب، بل أنَّ أرواحنا تمتدُّ إلى أبعد من معانقة المستقبل بأطفالٍ يَزِنون كفَّةَ الحياة ويُزيِّنون أرضها بحدائقِ الأسرار الآسرة.

كما أنَّ جميع من شاركونا، بكلِّ خيوط المحبَّة، لن ننسى لهم صنيعهم في حديقة عرس المكان، فلهم منَّا الشَّكر على زغرودة باتَّجاه “صباح” الأغاني.

#ملف_الهدف_الثقافي #صباح_ومجتبى #انتصار_الحياة #بابكر_الوسيلة #الزواج_في_زمن_الح.رب #الثورة_الديسمبرية #حكاية_الحياة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.