أمل عمر
أؤمن أن كل ما يحدث في الحياة، ماديًا كان أم شعوريًا، يسبق ولادة القصيدة بثوانٍ فقط.
ليس شرطًا أن يتناول الشعرُ أمورًا جميلة أو مشاعر مبهجة؛ المهم أن يكون صادقًا، عاريًا، يلمس القلب بلا تصنّع.
والحزنُ، في رأيي، هو سلطانُ الشعر.
والح.ربُ.. أمُّ الأحزان. بكل ما فيها من وجع، تُرغم الشاعر على اتخاذ موقف.
أحيانًا تُربكه الصدمة فيصمت، وأحيانًا يتهوّر ويتألّم في العلن.
عندما اندلعت الح.رب، أصيب قلمي بالذهول أول الأمر؛ظلّ صامتًا لأسابيع، ثم انطلقت النصوص مثل مدفع رشاش، وهو وصفٌ يطابق الح.رب تمامًا.
كتبتُ كثيرًا، صببتُ جام غضبي وأسئلتي وحزني في الورق. وبعض تلك النصوص ترجمتها د.إشراقة مصطفى إلى الألمانية، وأُلقيت في فعاليات عدّة عن السلام.
كنتُ أظن أن الح.ربَ شيئٌ يحدث لآخرين لا نعرفهم؛ نراهم في نشرات الأخبار بنصف عين.. وبحزنٍ كامل. لم أتوقع يومًا أن تُدخِل الح.رب كاميراتها إلى دارنا وحيّنا ومدينتنا، وأن نصبح نحن الخبر الرئيس، نحن الذين يشاهدنا العالمُ بنصف عين.. وبحزنٍ كامل.
عندما دخلت الح.رب بيتَنا وشرّدت أهلي، صاروا يحملون بطاقات “لاجئ” في بلادٍ غريبة. وحين دخل غرباءُ بيتَنا، خلعوا الأبواب، دنّسوا البلاط، وأتلفوا الزرع.
لم تُلجم الح.ربُ قلمي، بل شحذت سكينَ القصيدة داخلي، فغاصت في لحم الوجع وقالت عنه الكثير.
كُنتُ أحسَبُها خُرافة، كُنت أحسب أن الح.رب خرافة.. شيئًا بعيدًا، يحدث لأشخاصٍ غرباء في مدنٍ غريبة، لا أعرف مواقعها على الخريطة.
تراجيديا أشاهدها في نشرات الأخبار.. يجتاحني الحزن للحظة، ينقبض قلبي، أشيح بوجهي، أغيّر القناة من الأخبار إلى الموسيقى.. وينتهي الأمر.
كنتُ أحسبُ أن بيتَنا في أم درمان سيظل منتصبًا على ناصيته المجيدة إلى الأبد.. لا بُد أن يظل. لأنه شُيّد من حب.. ومن حجر.
ليست للمنطقة تاريخٌ في الزلازل، وليس بقربه بحرٌ كثير الاحتجاج يرسل لعناته حين يغضب.
كان أبي متحمسًا وهو يضع حجرًا على حجر على حجر.
أتذكره بوضوح: يحتسي الشاي، يراقب الرجال يصنعون قلعته، ويبتسم. يُشير عليهم أن يفعلوا كيتَ وكيت..
يقول إن هذا الجانب من الحائط يناسبه الأزرق، وإنه يريد نوافذ أوسع.. وأبوابًا في كل اتجاه. كنتُ أظن أن الشجرة أمام دارنا ستظل أعوامًا عديدة، مزهوةً بالخضرة والذكريات.
خططتُ للعودة عشرين مرة؛ إحداها في منتصف يونيو. أقسمتُ أن كل يونيو سأعود.. وأعود.. لنتسامر تحت ظل الشجرة: أنا وأمي وأخواتي والجارات.. والقهوة.
نتذكر، نثرثر، نحزن، نضحك.. إلى أن استيقظت ذات صباح، شغّلت التلفاز.. يا للهول. كُنّا نحن الخبر الرئيس.
قلت: كذبةٌ أبريلِيّة سمجة. سيمضي أبريل وتُفتضح.. ويُعاقب مخترعُها المستهتر أيما عقاب. لكن الموت، والحطام، والنار، والهاربين، والصغار الجزعين تحت الأسِرّة، واللصوص، وأكاذيب الجنرالات، والجثث فاغرة الأفواه على الطرقات.. كلها أخبرتني بأنها الح.رب بلا شك،
وليست كما تمنّيتُ.. كذبة.
أخبرتني بأن بيت أبي مهددٌ بق.ذيفة طائشة، بغرباء يستبيحون حرمة نوافذه الكبيرة، جدرانه الزرقاء، وصورة جدي الوحيدة في الصالون.
#ملف_الهدف_الثقافي #ح.رب_وحبر #أمل_عمر #شعر_الح.رب #القصيدة_والصدمة #أدب_المنافي #أم_درمان

Leave a Reply