مجدي علي
نظيفة محمد، الكاتبة الصومالية الأصل، البريطانية الجنسية، لم تكن مجرد راوٍ للحكايات، بل صاغت من تجربتها الأدبية جسرًا بين التاريخ والذاكرة، بين الصومال وإنجلترا، وبين الظلم الاجتماعي والبحث الدائم عن العدالة الإنسانية. ولدت في الصومال، وعاشت في بريطانيا منذ طفولتها، لتصبح لاحقًا أول كاتبة صومالية تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر عن روايتها الأخيرة “رجال الحظ“.
“رجال الحظ”: شهادة على الظلم العنصري
تتناول رواية “رجال الحظ” قصة البحار الصومالي محمود متان، آخر رجل شُنِق في سجن كارديف، بعد أن أدانته الشرطة البريطانية ظلماً بقت.ل صاحبة متجر. لتصبح الرواية شهادة على الظلم والتحيز العنصري، وأيضًا دعوة للتفكر في مغريات الصمت أمام السلطة.

وصلت نظيفة إلى بريطانيا في الثمانينيات، وطفلة في الرابعة من عمرها، حاملة على كاهلها ذكريات وطن مضطرب، وحياة جديدة في بلد غريب قاسٍ، حيث كان الع.نف والتفجيرات والطعن جزءًا من واقع الأحياء. عاشت شعور الخذلان والعزلة الذي يتشارك فيه الكثير من المثقفين الأفارقة، شعور بالغربة في بيئة لا تقدّر وجودهم ولا تهتم بوجودهم، لكنه كان شعورًا ينسج في داخلها الحافز للتمسك بالكتب والقراءة، واستكشاف العالم من خلالها، وبناء ذاتها في مواجهة الصعوبات. تقول نظيفة عن الكتابة: “حين أكتب أشعر كما لو أنني أحيا“، وهي هنا تعبر عن حالة الانغماس الكامل في الأدب كوسيلة لفهم الحياة، وإعادة إنتاجها بوعي وحرية.
الأدب كأداة للمقاومة
كانت روايتها الأولى “ولد مامبا الأسود” رحلة إلى ماضي والدها، رحلة شاقة من شرق إفريقيا إلى أوروبا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حيث يعبر التاريخ الشخصي حدود الذاكرة العائلية إلى تجربة جماعية. بعدها، جاءت “حديقة الأرواح الضائعة” لتروي حكايات ثلاث نساء صوماليات على أعتاب الح.رب الأهلية، مستعرضةً التحديات اليومية للنساء في مجتمع مضطرب. لكن روايتها الأخيرة “رجال الحظ” كانت الأكثر وضوحًا وصرامة، إذ وظفت فيها مأساة أحد أخوالها، لتكشف عن الظلم المؤسسي والتحامل العنصري، ولتسلط الضوء على قصص لم تُروَ إلا بالكتابة.
الكتابة بالنسبة لنظيفة ليست مجرد فن، بل هي أداة مقاومة وصرخة ضد التحيز الاجتماعي والعنصري، وتجسيد لرغبة عميقة في العدالة، وخاصة فيما يتعلق بالنساء في مجتمع الصومال، اللواتي غالبًا ما يُعاملن كمواطنات من الدرجة الثانية. تقول: “أنا شديدة المقاومة للطريقة التي تعامل بها النساء في مجتمع الصومال وقوانينه، وأشعر بالواجب أن أقول إنني لست مخطئة، والبحث عن العدالة الإنسانية أهم من أن تكون محبوبًا على حساب القضايا الجوهرية“.
جسر يربط الثقافات
تستكشف روايات نظيفة محمد الهجرة والخسارة والنزوح والحب، وتوثق تجارب الصوماليين على خلفية الاضطرابات التاريخية الكبرى. في “رجال الحظ“، تستخدم تجربة محمود متان لتسليط الضوء على فشل المؤسسات والتحامل العنصري في بريطانيا ما بعد الح.رب، وتستعرض الصراع النفسي والروحي للشخصية، ما يجعل القارئ يعيش مع الضحايا ويستشعر الضغط الاجتماعي والسياسي، ويكتشف المغريات الكامنة وراء الصمت أمام الظلم، والصراع بين الأمل والخذلان. الرواية هي رحلة مزدوجة؛ رحلة شخصية داخلية للشخصية، ورحلة اجتماعية وجماعية لاستكشاف الهويات الثقافية والتمييز المؤسسي.
إلى جانب وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر، حازت نظيفة محمد على تقدير عالمي لأعمالها التي تتناول الظلم والتحيز العنصري، وتفتح النقاش حول مغريات الصمت أمام السلطة، وتكشف عن الخراب الذي يخلقه الفشل المؤسسي والديمقراطيات الزائفة. أعمالها الأدبية لا تكتفي بسرد القصص الصومالية، بل تُرشد القارئ إلى تجربة إنسانية أوسع، وتجعل من الأدب أداة للتغيير والمعرفة والمقاومة، وجسرًا يربط بين الثقافات، ومرآة تعكس قضايا العدالة والكرامة في كل زمان ومكان.
#نظيفة_محمد #رجال_الحظ #جائزة_البوكر #الأدب_الصومالي #العدالة_العنصرية #الكتابة_مقاومة #صراعات_المنفى #مجدي_علي #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply