هاشم علي عثمان
وجهٌ كان يُشبه الدنيا.. ضحكةٌ تشتري الشاي بلا فلوس
في ليلة شتوية باردة من ليالي بغداد الحبيبة في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وكنا آنذاك ما نزال “طلابًا جدداً”، كنتُ وصديقي أحمد محمد أحمد، الشهير بأحمد يكك، نُعِدّ العشاء في غرفتنا.. “حلّة العدس” التي كنا نتقن طبخها بامتياز. وبينما نحن منهمكون، إذا به يتسلل نحونا مجذوبًا برائحة الحِلّة النفاذة. فتح الباب ودخل دون استئذان، فاستغربنا حضوره؛ إذ لم يكن من عادته زيارة غرفتنا. قال وهو يبرر دخوله المفاجئ: “أنا جيت مُبارِي ريحة القدحَة“. ثم أطلق ضحكته الطفولية الشهيرة التي يعرفها كل من عرفه، وأضاف ممازحًا: “آها.. ممكن أُصاحِبْكم، إن شاء الله يوم واحد!“..
ضحكنا، فجلس معنا، وأكلنا العدس، وكانت تلك بداية مودةٍ وعشرةٍ امتدت لما يقارب نصف قرن إلا قليلا.
تتزاحم اللطائف وتتوالد الحكايات كلما طاف ذكر ياسر عوض في الذاكرة..
وقفنا ذات مساء أمام شباك عمّنا الراحل “أبو حيدر” في دار رابطة الطلاب السودانيين بالوزيرية. يقتلنا الفلس، و”الدنيا عقاب شهر”، والجيوب خلت من ثمن كوب شاي. اضطررنا إلى إدارة حوار طويل لإقناع “أبو حيدر” صاحب البوفيه أن يمنحنا أنا وأحمد يكّك ومصطفى العميري ورابعنا معاوية صلاح الدين، أكواب شاي “تحت الحساب” إلى نهاية الشهر. لكنه أبى ورفض، حتى ظننا أن محاولاتنا لن تُجدي نفعًا.. وفجأة اخترق الصمت صوت ضحكة ياسر، تلك الضحكة الطفولية المضيئة التي ما إن سمعها أبو حيدر حتى تغيّر حاله وقال: “يلا.. على مود ضحكة ها الحَبّاب الحلوة، راح أعطيكم الشّايات بلا فلوس“.. كانت ضحكته ثمنًا لكبابي الشاي، مثلما كانت جواز مرور وشارة محبة لكل من عرفه أو عاشره.
من بغداد إلى الخرطوم: الفن والوعي السياسي
تصعب الكتابة عن شخص مثل ياسر عوض؛ فالحروف أمام سيرته تهرب، وتظل المشاعر حبيسة الصدر، كأنها حديث روح لروح. ليس من اليسير اختزال مسيرة عشرة امتدت لنحو نصف قرن في كلمات، مهما حسُن بيانها..
عرفه الناس واحدًا من الأسماء التي تركت أثرًا بيّنًا في المشهد الإعلامي والثقافي في السودان خلال السنوات الأخيرة، وهو تميّز لم يكن مفاجئًا؛ فقد كان ثمرة وعيٍ مبكر تخلّق في داخله منذ المرحلة الثانوية، حين آمن بالقومية العربية وانتمى لحزبها الرائد، حزب البعث العربي الاشتراكي مشاركًا في أنشطته وفعالياته السياسية والفكرية. ثم جاء انخراطه في الحياة الجامعية بالعراق ليعمّق هذا الوعي، مراكِمًا عبر مساهماته الثقافية والأدبية والمسرحية رصيدًا من الفكر التقدمي ظل يرافقه طوال مسيرته المهنية.
اختار ياسر التعمق في دراسة الفنون البصرية فالتحق بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، التي كانت آنذاك ملتقى للمثقفين والفنانين والشعراء. هناك نهل من العلم، وتفتحت مداركه عبر الاحتكاك اليومي بالمبدعين، فانفتح على رؤى جديدة أسهمت في تشكيل وعيه الفني. وعندما عاد إلى السودان والتحق بقناة “النيل الأزرق” ثم قناة “الشروق” منتجًا ومخرجًا، ظهرت بصمته واضحة، فقدّم أعمالًا مميزة تجمع بين جماليات الصورة البصرية والعمقٍ الفكري، فجاء كل عمل أنجزه كأنه لوحة متقنة تستحق الوقوف عندها.
وتجلّت تجربته في أبهى صورها حين تولّى إدارة “قناة ولاية الخرطوم الفضائية” في لحظة مفصلية عقب سقوط نظام الطاغية عمر البشير. حيث جعل من القناة مرآة صادقة لثورة ديسمبر المجيدة، تنقل نبض الشارع وتدافع عن شعارات الحرية والسلام والعدالة، مستندًا إلى خبرة راسخة ورؤية وطنية منحازة للحق والجمال.
لم يكن ياسر عوض مجرد مخرج أو منتج أو مدير قناة فحسب، بل كان مثقفًا ومناضلًا يعرف قيمة الكلمة والصورة، ويؤمن بأن الشاشة ليست للترفيه وحده، بل منبرٌ للوعي، وأن البرامج ليست للونسة العابرة، بل محطات تخاطب العقول لا الغرائز. لذلك جاءت منجزاته مشبعة بالوعي وجماليات الفن، تنطق بإيمان راسخ بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن حق الناس في الحرية والحياة الكريمة.
مناجاة القلب المكلوم
ما دعاني لهذا البوح أن صديقي ياسر عوض يرقد اليوم على الفراش الأبيض. أسأل الله العلي القدير أن يمنّ عليه بالشفاء، وأن يكسوه ثوب العافية، ويخفف عنه ألم المرض، ويجعل ما أصابه كفارة ورحمة.
اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقمًا، وأعد إليه قوته ليعود منارة للإبداع وصوتًا صادقًا للإنسان.
#ياسر_عوض #رحيق_الذكريات #هاشم_علي_عثمان #الفن_السوداني_والسياسة #بغداد_والثورة #صحبة_نصف_قرن #ملف_الهدف_الثقافي #يارب_الشفاء

Leave a Reply