يوسف الغوث
ظلّ الأدب الشعري في السودان ممتدًا ومتواصلاً عبر العصور، متأثرًا بالشعر العربيّ التقليدي، ومرتبطًا في الوقت نفسه بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية التي مرّ بها الوطن. وقد برز شعر الفخر والحماسة كأحد أهم الأشكال التعبيرية التي عبّرت عن الاعتزاز بالقيم والمجد والشجاعة والإقدام.
يمكن تتبّع تطوّر هذا اللون من الشعر عبر أربع مراحل رئيسية:
- المرحلة الأولى: في عهد دولة الفونج (1505 – 1821م)، حيث كانت القصيدة تمجّد القبيلة وتفاخر بالذات، فغلب عليها الطابع القبلي والبطولي.
- المرحلة الثانية: في العهد التركي (1821 – 1881م)، بدأ الشعر يأخذ منحًى أكثر وعيًا بالواقع السياسي والعسكري الذي كانت تمرّ به البلاد.
- المرحلة الثالثة: خلال الثورة المهدية (1885 – 1898م)، ازدهر شعر الحماسة وتوسّع في مضمونه، إذ أصبحت التضحية والفداء في سبيل الوطن والدين السمة الغالبة على القصيدة.
- المرحلة الرابعة: في العصر الحديث، أصبح شعر الحماسة جزءًا أصيلًا من الشعر الوطني، وارتبط بالقضايا العامة، وتنوّعت أساليبه بين الفصيح والعامي، مع بروز شعراء أصحاب اتجاهات فكرية وسياسية متعددة.
وفي خضمّ هذا الزخم الإبداعي والجمالي، ظهرت الشاعرة بلالة بابكر أحمد الزيلعي كحالةٍ متفرّدة تمزج بين الخيال والوجدان، وتعبر عن شعر الحماسة بأسلوبٍ فطريٍّ فريد وجذاب. تمتاز قصائدها بالبلاغة والإيجاز والترابط، وبحسٍّ شعريٍّ عميق يشدّ المتلقي ويأسره.
ومن أشهر قصائدها قولها:
عيال أب جويلي الكمبلو وعرضو
في دار كردفان اتغربوا وسترو
ضربوا الجوز عديل حاشا ما ضلّو
لبنات البلد سمح الخبر جابو
وُلدت الحاجة بلالة بابكر في حِلّة حمد، إحدى قرى الجزيرة، وكان لها ثلاثة أبناء: يوسف، وسالم، ومحمد، وثلاث بنات: فاطمة، وآمنة، وست البنات. عُرفت بموهبتها الشعرية منذ صغرها، وتوفيت عام 1996م بمدينة أم روابة. تنتمي أسرتها إلى آل الغوث، وقد بقي شعرها حيًّا في الذاكرة السودانية بما يحمله من عمقٍ ومعنى وتجلي.
تعود قصة قصيدتها الشهيرة إلى عيال أب جويلي، وهم سبعة إخوة يعملون في التجارة بين الجزيرة والنيل الأبيض والأطراف الشرقية لكردفان. وكان أخوهم الأكبر سالم مصابًا بمرض الفرنديد (ما يُعرف اليوم بمرض التينيا)، مما أعاق حركته، لكنه كان يسافر مع إخوته على ظهر جمله.
وفي إحدى الرحلات، وبينما كانوا يؤدّون صلاة المغرب، هاجمهم بعض قطاع الطرق في محاولةٍ لنهب بضاعتهم، فهبّ سالم، رغم إعاقته، للدفاع عنهم، وقاتل المهاجمين بشجاعة حتى فرّوا، وانتشر الخبر في المنطقة. تأثرت الحاجة بلالة بالحادثة، فنظمت هذه القصيدة تخليدًا لشجاعة سالم وإخوته.
قام الفنان محمد الأمين بأداء القصيدة غناءً بعد أن أهدتها له حبوبته الحاجة بلالة، فخلّدها بصوته في وجدان الناس، لتصبح واحدة من أغنيات الحماسة التي تمجّد الشجاعة والكرم والنخوة السودانية. وفي عام 2017م، تمّ تكريم أسرة الشاعرة الراحلة بمدينة أم روابة من قِبل وزير الثقافة بولاية شمال كردفان الأستاذ خالد الشيخ، تقديرًا لإسهامها في إثراء التراث الشعري السوداني.
ولا يزال عيال أب جويلي حاضرون في الذاكرة الشعبية، من الجزيرة حتى الفاشر الكبير، رمزًا للفخر والبطولة والإرث الوطني الأصيل.
اللهم اغفر للحاجة بلالة بابكر الزيلعي، واسكنها فسيح جناتك، واجعل شعرها نورًا يضيء الذاكرة السودانية أبد الدهر.
#ملف_الهدف_الثقافي #بلالة_الزيلعي #شعر_الحماسة #محمد_الأمين #التراث_الشعري_السوداني #عيال_أب_جويلي #الأدب_الوطني #يوسف_الغوث

Leave a Reply