راما عبد الله
في روايته الفائزة بـ”جائزة كتارا للأعمال المنشورة” مؤخرًا، يقدم الروائي اليمني حميد الرقيمي لوحة مأساوية للحرب، توثق أهوالها عبر شخصيات مشطّرة بين البر والبحر، تبحث عن الخلاص في زمن يغمره الظلام واليأس. الرواية لا تعود بالذاكرة إلى زمن يمني قديم، بل تطلق شخصياتها في رحلة من الموت إلى النجاة، هاربة من الرصاص والدمار، من صنعاء إلى عدن، ومن هناك إلى مصر والسودان وليبيا وصولًا إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.
في بداية الرواية، يُطارَد البطل تحت وابل من الرصاص في شوارع صنعاء، ليظهر لاحقًا في البحر مكبّلًا على أسطوانة قبل أن يُنقذ على يد بحارة ويصل إلى مخيمات اللجوء. هنا، يقدم الرقيمي صور الحرب وأهوالها بأسلوب متقطع بين السرد البصري والداخلي، حيث تتشابك الأصوات وتتداخل المصائر:
“الموت معلق على نوافذ المدينة، والظلمة تواجه فجرًا جديدًا، وعلى ثوبها دم مسفوح بلا هوية، أطفال تناثرت ملامحهم على الغيوم، وصار من المخيف أن تبحث عن طفلك المفقود”.
الحرب في الرواية لا تقتصر على تصادم القوى، بل تصادر آدمية الضحايا، وتجبرهم على الانقسام بين حلم الحياة وموت حاضر دائم، لتظل الرحلة نحو المنافي الوحيدة الممكنة.
الشخصيات، مثل بدر ويحيى وعبده حمادي، تجسد الضياع والبحث عن الانتماء والهوية. الحب والمعرفة يشكلان رافعتين لإنقاذ الذات وسط الخراب: فالحب يظهر في علاقة يحيى بـ”يافا”، الفتاة اليمنية التي تمثل رمزية فلسطين في الرواية، إلا أن الحرب تقتل هذا الحب، فتموت يافا، ويُقتل عبده حمادي في محاولتهما النجاة.
يتسع الفضاء المكاني للرواية ليشمل السودان كإحدى محطات رحلة اللاجئين. السودان يظهر كأرض عبور نحو أوروبا، لكنه يظل شاهدًا على التهجير القسري ومعاناة المنافي، حيث يلتقي اللاجئون بالغرباء ويواجهون صعوبات الوصول إلى الأمان، تاركين خلفهم بلادهم وماضيهم وحبهم.
يوزع الرقيمي الشخصيات بين جيلين: الجد أحمد، يمثل الجيل القديم وحكمة البلاد، يعلّم أن الهروب من الحرب هو سبيل البقاء، وأن الحرب لا تعيد الإنسان إلى طبيعته. ثم جيل الشباب، ويمثّله سالم ويحيى، جيل يعيش القسوة والضياع، ويحاول إعادة بناء حياته بين الحنين والخذلان، في تفاعل مستمر مع حكمة الجد ونصائحه.
الرواية تؤكد أن الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تئد الحب والأحلام، وتترك الشباب على مفترق الطرق بين الموت والرحيل إلى المنافي. رحلة الشخصيات من اليمن مرورًا بـالسودان، ثم ليبيا وإيطاليا، تجسد قسوة الحرب وطولها، وعنفها الذي يمتد إلى الأرض والإنسان معًا.
الرقيمي لا يبحث عن قاتل محدد، ولا عن تبرير للعنف، بل يغوص في دواخل الضحايا، ويعرض مأساة الإنسان الذي تُشرّح الحرب حياته إلى شظايا متناثرة، تاركة وراءها ألمًا وحنينًا ورحلةً قسرية نحو المجهول.
في “عمى الذاكرة”، يقدم الرقيمي رؤية سوداوية لكنها صادقة، عن الحرب التي تدمّر الحب، وتجبر الناس على الرحيل، وتجعل من السودان محطة عبور للمنافي، شاهدًا على رحلة اللاجئين وأحلامهم الممزقة. الرواية بذلك ليست فقط وثيقة حرب، بل مرآة للإنسان في زمن العنف، ومسارًا نحو البقاء رغم كل الظلام.
#ملف_الهدف_الثقافي #عمى_الذاكرة #حميد_الرقيمي #جائزة_كتارا #اللاجئون_والحرب #السودان_أرض_العبور #الأدب_اليمني #الأدب_والمنافي #الحرب_والذاكرة

Leave a Reply