زكريا نمر
كاتب من جنوب السودان
يحدث أحيانًا أن ينام الكاتب في حضن مجتمعه نومًا طويلًا، حتى ينسى أنه وُجد ليوقظ الآخرين. يكتب، نعم، لكنه يكتب كما علّموه، لا كما رأى.
يردّد ما تربّى عليه من أصوات، دون أن يدرك أن الصوت الذي يملأ فمه ليس صوته، بل صدى جوقةٍ قديمة ربّته على الطاعة أكثر مما علّمته السؤال.
الكاتب الذي لا يرى المسافة بينه وبين الثقافة التي أنجبته، يشبه طفلًا يظنّ أن ظلَّه هو جسده. يعيش في دائرة لغته ومخاوفه وذاكرته الجمعية، ويظنّها الكون كلّه.
كلّما كتب، أعاد إنتاج السور نفسه الذي يقف خلفه. وكلّما ظنّ أنه يعبّر عن ذاته، كان في الحقيقة يعيد صياغة وصايا المجتمع بعباراتٍ أكثر أناقة.
ليس المطلوب من الكاتب أن يتمرّد لمجرّد التمرّد، بل أن يستيقظ؛ أن يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته، وأن يواجه الظلّ الذي يخاف الجميع أن يسمّوه. فالكتابة ليست براعةً في ترتيب الجمل، بل شجاعةٌ في مواجهة المألوف.
إن الكلمة حين تخرج من فمٍ لم يختبر الألم، تبقى جملةً جميلة، لكنها بلا نبض.
الثقافة السائدة ليست دائمًا مرآةً للحكمة؛ أحيانًا تكون جدارًا يحجب الضوء، أو قناعًا يُغطي الخوف. الكاتب الذي يرضى بها كما هي، يسجن نفسه طوعًا داخل نظامٍ من الأفكار الموروثة. أمّا الذي يجرؤ على تفكيكها، فهو الذي يعيد للكتابة معناها الأول: أن تكون بحثًا لا نهاية له عن الحرية.
الكاتب الحقيقي لا يكتب ليرضي أحدًا، بل ليكسر الصمت الذي يسكنه. لا يكتب ليصفّق له الجمهور، بل ليبقى قادرًا على التنفّس في عالمٍ يزداد اختناقًا. هو الذي يعيش دائمًا في منطقة القلق؛ تلك المسافة بين ما يراه وما يُراد له أن يراه. يكتب ليعيد التوازن بين العقل والضمير، بين ما يجب قوله وما يُخاف قوله.
الذين يكتبون وهم نائمون، يبدون هادئين، منسجمين، محبوبين. لكن نصوصهم باردة، بلا عرقٍ ولا دمٍ ولا دمعة. أما الذين كتبوا بعد أن استيقظوا، فكتبوا بقلوبٍ مكسورةٍ وضمائرَ مفتوحةٍ، هؤلاء وحدهم يصنعون التغيير.
الكاتب لا يختار أن يكون واعيًا، بل يُبتلى به. والوعي، كما نعلم، لا يمنح الطمأنينة، بل يسرقها. لكنه، في المقابل، يمنح شيئًا أثمن: الصدق مع الذات. والكاتب الذي يبلغ هذا الصدق، لا يعود مكبّرَ صوتٍ لأحد، بل يصبح هو الصوت ذاته.
حين يكتب الكاتب وهو مستيقظ، تصير الكلمة فعلَ حرية، وتصير الجملة نافذةً على الضوء، ويصير النص شهادةً على أن الإنسان لم يُخلق ليُكرّر، بل ليُبدع.
#ملف_الهدف_الثقافي #الكاتب_المستيقظ #الوعي_والكتابة #زكريا_نمر #حرية_الكلمة #شجاعة_الكاتب #الصدق_مع_الذات #جنوب_السودان_ثقافة

Leave a Reply