نوستالجيا على ناصية الوعد

صحيفة الهدف

محمد المرتضى حامد
#ملف_الهدف_الثقافي
قيل (الوطن قبلة على جبين الأرض)

ونحن راجعين في المغيرب، كان يشجينا عوض عمر وصديق أحمد حمدون ويشرح لنا عبدالله الطيب معاني الذكر الحكيم وأحوال قريش بما فيها أبولهب الكعب، وكان يطربنا بادي متسائلًا في سغربه (كيف تبقى عاشق وانت حي) مختزلًا في قراءة المهاتما أبوصلاح كل ما قاله التبريزي ومولاي جلال الدين الرومي عن العشق والروح وفناء الذات في المحبوب.

كابلي كان يأخذنا إلى حيث لا أمنيات تخيب ولا كائنات تمر ليعيدنا الطيب صالح من بيزووتر إلى كَرمَكول قبل أن يرتد إلينا الطرف بمثلما فعل آصف بن برخيا بعرش بلقيس، تاااني يقوم الفنان المطبوع والشامل شرحبيل يهدئ من ليلنا ويعرِّفنا بالشوق ثم ينشدنا أبوداؤود وحامد العربي مدحًا في الحبيب (ص) بعدما قدمتهما ليلى المغربي وفوزية يوسف (لهما الفردوس) من (هنا أمدرمان) بصوت سماوي لن يتكرر فقد توارت الحناجر الماسية في زمن الخناجر المسمومة.

كنا حين تدهشنا فنون أهلنا النوبة في كجوريا والكاركو وسلارا وتحلق بنا مناطيد السحر فوق جماعات ترقص على إيقاع النقارة في خريف كردفان وزفة المولد بميدان الخليفة والمردوم في دارفور، نكاد نرتعش نشوة ونناغم أهل اللوفر ومعهم ناس ليزا والموناليزا من فوق السحاب، بأننا التشكيليين أهل الصلحي القيافة، ونحن ذاتنا ناس الخزام والشيح والبراح والهادي نصرالدين وجمال الضلال ووود الرضي وهوى الخلخال…

نتشارك في كل شيء، أي والله، أهلنا الأقباط الأماجد في قلب أفراحنا وأتراحنا يظللوا المصلين من حر الشمس في نهار جمعة قائظ بميدان الاعتصام، لم لا ونحن أنصار وليم أندريه كفر ووتر ونحن سدنة قصر السلطان المعماري علي دينار وقباطنة سواكن وأخلاء بازرعة راسم لوحة (كانت ذراعاك لرأسي مرقدًا) ، شايفين كيف.. اللهم نسألك اللطف.. ونحن الذين أطربهم جكسا وسانتو وكمال والكاروشه والباشق بريمة، نقف خاشعين لدى البكري وأحمد شرفي وباسطة عمنا الحبيب الطيب سيد مكي، يطول عمره، نقرم عروس المولد والحصان قبل أن يتولى أمرها النمل..
يا زمن.. أرحم شوية..

عندما نحاول أن نوجز وننجز تلك اللوحة، تكفينا كلمة واحدة هي (الوطن)، وشخصي البسيط لايحكي (من منازلهم) فقد عشت جل طفولتي وصباي وبعض شبابي في تلك البقاع، تكفيني عودة في العطلات مع الأسرة لأمدر باعتبارها الميلاد ومدافن الأجداد والحب وال hub لخطوط طيران السمحين من كافة الأعراق والجهات والمذاهب، بما فيها مذهب ضيَّعني ساكن الموردة. بلد كان يسعد الناظرين والأرواح الهائمة، بلد فاتح زراير قميصو ليَشهَد العالم عناق نيلين على صدره، خالِف كراعو على كيفو في أطلس الجغرافيا وأطلس Grant ذاتو كقلب لإفريقيا، فيه مولانا أبيل ألير في موضع شريانه التاجي مقتفيًا أثر أبورنات وهنري رياض والمحجوب وزروي سركسيان وخالده زاهر قاعدات جمب بعض، كل ذلك قبل جراحة أجراها سماسرة التشظي وتجزئة المجزأ، التي حار معها حتى بحر العرب فتساءل عماليق أبيي على الضفتين: الحصل شنو يا أخوانا؟..

أثق أن السودان لن يعود كما كان، بل أفضل مما كان، وبما يشبه الإعجاز بعقول وسواعد الخُلّص من بناته وأبنائه الشرفاء رغم الثمن الفادح المدفوع مقابل فاتورة استكمال التغيير الجذري، الذي أطلق قطاره صافرته في انتفاضة ديسمير السمحه ولا تراجع، وكما قال ناصر: ما بين الممكن والمستحيل تكمن إرداة الإنسان.

عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، نعم، الدواء كان مرا، زي كينين الملاريا الشينة، كان لابد أن يعرف الجميع بكل وضوح، قيمة ما كان عندهم ويحافظوا عليه ويطوروه، وهي سانحة سيهتبلها الناس لممارسة نقد ذاتي عميق وإجراء جرد شامل للمخزن 3D، فكل الحقائق المكتومة تتحول إلى سموم كما قال صادقًا زرادشت. كان لابد أن يعرف الكل من هم أعداء الوطن أولا وأن يعوا ثانيًا وعاشرًا أن أي مشروع بناء حقيقي راسخ يجب أن يؤسس على العدل والواجبات والحقوق والعلم والكفاءة ونفاذ القانون رأسيًا وأفقيًا ومن أعلى الهرم باتجاه القاعدة، فنظافة السلم تبدأ من الأعلى، وأن يمارس الجميع الديمقراطية فعلًا لا قولًا في البيت والشارع والدواوين قبل صناديق الإقتراع.

الحرب البذيئة كشفت الكثير وأسقطت، إلى غير رجعة، ما كان يحسبه البعض مقدسات وهتكت ستر أصنام ومحت مفاهيما بالية وتابوهات عشعشت فينا ردحًا من الزمن ووضعت كافة الأوراق على الطاولة وأفصحت عن ألف زيتًا بايت من المسكوت عنه فتبخرت مخاوف اتضح أنها كانت مجرد (دافوري) مقارنة بما جرى، فقد واجه الشعب ما لم يكن يتصور في أسوأ كوابيسه.

ستنجب الأرض (لي كوان يو) جديد لنج، موديل 24 معدّل، وسترجع الأيام الجميلة والعواطف النبيله كما صدح السني وأبودية يومًا، وستحتويكم مرة أخرى أحضان النهود الدفيئة وتهدهدكم الرنك والبركل لتغنوا مع ودبارا للجات مارقه قِميرا لافّه الليل ضفيره..
كيفن ما بريدا..؟
إنتو مش عارفين إنو الإقصاء العاطفي مسموح في حق الوطن؟ إنه قانون (زول بريدك زيي مافي)..

لا للحرب ونعم للسلام، فالحرب فعل ضد الحضارة وما أسهل الخراب وما أصعب الإعمار، الحرب هي الفشل بعينه ويبقى السلم والإعمار هما النجاح والتحدي الحقيقي للأمة وللشجعان الأصائل.
بالله الناس الدمروا البلد ديل سمعوا قصة ضابط البوليس البجاوي القلبو احتمى بالحبيب وانزاح ملهمًا ثم عاد كأسًا بلا حَبَب فارِهٌ .. مُترفٌ.. لدِنٌ ..فَننٌ.. لا.. ولا فنن؟
يا حليلك أبو آمنه..
هل صافحت آذانهم يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان؟

غايتو العارفو أنا، الناس اللتشتت حتى أصبحت فتلة في الرياح وثرثرة في الصخب، زي ما قال ودالمكي، لن تغلِب الوطن اللقاط، جايه تاني، آتية بحماس، عائدة إلى العمل والبناء وتقديس الوقت والنظام. جل الأصحاب من المهندسين والقانونيين والأطباء والإداريين والخبراء والعلماء وغيرهم، حالفين يعملوا مجانًا ويتبرعوا بكل شيء حتى يستعيد السودان عافيته، ليس مِنة ولكنه دين في الأعناق، في زول بحاسب أمه؟، الذي نفسي بيده أكاد أسمعهم يتدافعون في مارش العودة المقدسة باتجاه الديار يغالبون الدمع بالتِصِنقع مرددين مع الفذ الجواهري:

كان قلبي إلى رُؤياكِ باصِرَتي
حتى اتَّهَمْتُ عليكِ العينَ والحَدَقا

شَمَمْتُ تُرْبَكِ أَسْتافُ الصِّبا مَرِحاً
والشَّمْلُ مُؤْتَلِفاً، والعِقْدُ مُؤْتَلِقا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا كالمُشْتَهي بَلَداً
لكنْ كَمَنْ يَتَشَهّى وَجْهَ مَن عَشِقا

زفرة أخيرة:

وريني كيف الحي بودع روحو!!

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.