*انقلاب 25 أكتوبر 2021.. الانقلاب الذي هُزم قبل أن يذاع بيانه*

صحيفة الهدف

_قلم: ماجد الغوث_

انقلاب 25 أكتوبر 2021 خرجت الجماهير ضده وضد من قام به قبل إذاعة بيانه الأول بالرفض له ومن نفذه ومن خطط له، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ السودان التي تسبق فيها الجماهير البيان، فمن الساعة الثانية صباحا كانت لجان مقاومة بري والديوم الشرقية وشمبات والحاج يوسف تغلق الشوارع بالمتاريس وتطلق نداء الطوارئ، قبل أن يظهر البرهان في الرابعة عصرا.

كل الشعب السوداني بقواه السياسية والمدنيه والنقابية والشبابية والمرأة، كان يتوقعون حدوث ردة بوجهها العسكري، لأن كل المؤشرات كانت تقول ذلك، إغلاق الشرق بواسطة ترك، اعتصام القصر الممول بأموال الذهب، تهديدات البرهان وحميدتي في المناورات العسكرية، تسريبات عن اجتماعات مع علي كرتي وأحمد هارون في تركيا ومصر، لذلك كان الشعب مستعدا.

سبق الإنقلاب العسكري الفعل البطولي للجنة إزالة التمكين ومحاربة فساد الكيزان التي نخورت وراءهم، واستطاعت أن تمسك خيوط فسادهم المالي والإداري الذي حاولوا أن يغطوا عليه بالتمويه والغطغطة والدسديس، ولكن لجنة أزالة التمكين ومحاربة الفساد كشفت المغطي والمدسوس من مسارات مالية وواجهات كانت درقة لآخرين يختبون خلفها، وكشفت اللجنة حسب تقريرها الختامي استرداد تقديرات ماليه أصول منهوبة، واسترداد 440 شركة وشركة مساهمة كانت تعمل كواجهة، و1200 منظمة وهمية باسم الدعوة والشريعة، و50 ألف فدان زراعي، و426 ألف متر مربع أراضي سكنية في الخرطوم وحدها كانت باسم أبناء وأصهار البشير.

كشفت اللجنة فساد أهل الحظوة من قيادات تنظيم المؤتمر الوطني الحاكم وحركته الاسلاموية، وأهل بيت البشير واقاربهم ومنسوبيهم، من وداد بابكر التي امتلكت 200 قطعة أرض و23 شركة باسم أبنائها، إلى عبد الباسط حمزة الذي كان يدير 16 شركة تعدين وصرافة لغسيل أموال الحركة، إلى الجاز والمتعافي وعلي عثمان الذين حولوا مشروع الجزيرة وسين للغلال وزادنا ومعارج إلى شركات خاصة لهم، وكل ذلك بالأوراق والمستندات من بنك السودان ومسجل الشركات.

كان السودانيون تجدهم كل خميس من كل أسبوع متحلقين أمام شاشات التلفزيون لمتابعة فساد الحركة الإسلامية المالي والإداري، والكل في حالة قرف وطُمام بطُن من هذا الفساد الذي يذكم الأنف، بعد أن يحدث حالة من الغثيان، وكل خميس كان المؤتمر يحصد 8 ملايين مشاهدة مباشرة، لأن الناس كانت ترى لأول مرة كيف سرقت أموال البترول الذي بلغت عائداته 80 مليار دولار من 1999 إلى 2011، وكيف سرقت أموال الذهب التي بلغت 16 مليار دولار سنويا، والناس ترى صفوف الخبز والبنزين.

كل السودانيين يدعون للجنة محاربة الفساد المالي والإداري بأن يحفظهم الله ويغطيهم من إنتقام الكيزان، وكان من وراء هذه الدعوات بصيرة نافذة لما سوف تؤول إليه قادمات أيام اللجنة وقد كان، ففي 25 أكتوبر نفسه اعتقلوا وجدي صالح وبابكر فيصل وطه عثمان إسحاق وصلاح مناع ومحمد الفكي سليمان، وبعد شهر واحد أصدرت محكمة الانقلاب قرارات بإرجاع كل أملاك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وأرجعت لعلي كرتي 400 عقار ومنظمة معارج والشهيد، وأرجعت لعبد الباسط حمزة كل شركاته.

لذلك عند أول كوبليه مارشال خرجت جماهير ديسمبر العظيم تهتف ضد الانقلاب العسكري والانقلابيبن، والشركاء، بالسقوط، خرجت في 25 أكتوبر نفسه رغم قطع الإنترنت والاتصالات، وخرجت في 30 أكتوبر في 87 مدينة سودانية و22 عاصمة عالمية، وقدمت وحدها في يوم 30 أكتوبر 8 ملايين متظاهر حسب لجان المقاومة، وأسقطت 127 شهيدا بعد الانقلاب و5000 جريح حسب نقابة الأطباء، لكنها كسرت حاجز الخوف قبل أن يكتمل البيان.

في انقلاب عبود 1958، خرجت جماهير الشعب السوداني ضده، ولكن بعد أن تأكدت، وتطلبت هذه المعرفة بحقيقة الأمر فترة زمنية. ومن ثم بدأت تتصاعد وتتجمع المعارضة في خط بياني وفق تطور الوعي السياسي ووحدة قواه، فمن 1958 إلى 1961 كانت المعارضة همسات، ثم إضراب السكة حديد ونقابة المعلمين في 1961، ثم جبهة الهيئات في 1963، ثم ثورة 21 أكتوبر 1964 التي أسقطته بعد 6 سنوات.

وكذلك في إنقلاب 25 مايو 1969، الذي ظل متخفيا وراء شعاراته التقدمية الكذوب زمنا. وقد مرت تطورات وصراعات بنيوية داخلية لغاية العام 1971 عندما انفجرت في داخله عبوة ناسفة من تناقضاته وتردادات قيادته التي ظلت تتاوق من وراء باب الخوف والقلق، كاشفة عن هويته، وعن هوية من يقف وراءه، وبعد ذلك بدأت المعارضة تنتظم في خطها المعارض له، فمن 1969 إلى 1971 كان الناس يظنون أنه يساري، حتى مجزرة بيت الضيافة في 22 يوليو 1971 وشنق عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق و140 ضابطا، عندها عرف الشعب وجهه الحقيقي، ثم جاءت انتفاضة 1985 بعد 16 سنة.

أما إنقلاب البرهان ـ حميدتي استبقت الجماهير بيانه، لأنه انقلاب بلا قناع، انقلاب مكشوف من لحظته الأولى، فمن يعتقل لجنة محاربة الفساد ويرجع أموال الكيزان لا يحتاج لبيان ليعرف الشعب من هو، لذلك هزم هذا الانقلاب أخلاقيا وشعبيا قبل أن يذاع بيانه، وسقط في الشارع قبل أن يسقط في القصر، وبقي فقط بسلاحه وذهب جبل عامر وبترول المليشيات، وهذا هو الفرق بين انقلابات تحتاج سنوات لتنكشف وانقلاب انكشف قبل أن يولد، لأن لجنة إزالة التمكين نزعت عنه ورقة التوت.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.