زواج القاصرات… وصمة عار في جبين الأسرة والمجتمع

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

بالطبع، ليس تزويج القاصرات مجرد عادة اجتماعية تتوارثها الأجيال، بل هو قضية تتقاطع فيها الثقافة والفقر والسلطة الأبوية وحقوق الإنسان. وحين تُزف طفلة لم تبلغ بعدُ النضج الكافي إلى حياة زوجية لا تدرك أعباءها، فإن الأسرة لا تحتفل بزواج، بل تدفع ابنتها نحو مستقبل قد تُسلب منها ملامحه مبكرًا.

وتزداد خطورة الظاهرة في ظل الحرب التي يشهدها السودان منذ 15 أبريل 2023؛ إذ أدى النزوح وفقدان مصادر الدخل والأمن والأمان وتفكك شبكات الحماية إلى تفاقم معاناة الأسر، فيما تنظر بعض العائلات إلى تزويج بناتها باعتباره وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية أو توفير الحماية. لكن الفقر لا يبرر التضحية بطفولة الفتاة، والخوف على مستقبلها لا يُعالج بحرمانها من التعليم والأمان والاختيار وصناعة مستقبل أفضل.

وتتحمل القاصرات مخاطر صحية ونفسية واجتماعية جسيمة، تشمل مضاعفات الحمل المبكر، والانقطاع عن الدراسة، والعزلة، والتعرض للعنف والاستغلال. كما يعيد الزواج المبكر إنتاج الفقر، إذ يحرم الفتاة من فرص التعلم والعمل والاستقلال، ويجعلها أكثر عرضة للتبعية والحرمان.

ولنتفق على أن الإدانة والشعارات لا تكفيان لمعالجة هذه الظاهرة؛ فالمطلوب إجراءات قابلة للتنفيذ، تبدأ بتفعيل القوانين التي تحمي الأطفال، وإنشاء آليات سرية وآمنة للإبلاغ عن حالات تزويج القاصرات عبر المدارس والمراكز الصحية والجهات المجتمعية الموثوقة، مع حماية الفتيات من الانتقام والضغط الأسري.

وينبغي توجيه المساعدات الغذائية والنقدية إلى الأسر الأشد فقرًا، خصوصًا الأسر التي تفكر في تزويج بناتها تحت ضغط الحاجة، بالتنسيق بين المنظمات الإنسانية والمبادرات المحلية. كما يمكن للمدارس ومراكز الإيواء تنظيم فصول استدراكية، وتوفير الكتب ومستلزمات الدراسة ووسائل النقل، للحد من التسرب التعليمي الذي يزيد مخاطر الزواج المبكر.

وتحتاج المواجهة أيضًا إلى لقاءات توعوية قصيرة ومنتظمة مع الأمهات والآباء والقيادات المجتمعية والدينية، لمناقشة أضرار الظاهرة باستفاضة، وتصحيح المعتقدات التي تبررها، مع توفير الإرشاد الصحي والنفسي للفتيات المعرضات للخطر، ومتابعة الحالات شهريًا للتأكد من استمرارهن في التعليم وحصولهن على الحماية اللازمة.

إن حماية الطفولة مسؤولية الأسرة والمجتمع والدولة، ولا يجوز أن تتحول الأزمات إلى مبرر لسلب الفتيات حقوقهن. فالأسرة التي تحمي ابنتها لا تختصر مستقبلها في زواج مبكر، بل تمنحها فرصة للنمو والتعلم والاختيار.

زواج القاصرات ليس سترًا للأسرة، بل جرح في طفولة الفتاة ووصمة عار في جبين الأسرة والمجتمع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.