▪️ مع تفاقم الأوضاع المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة جراء استمرار الحـ.ـرب العبثية المدمرة؛ أصدر وزير الزراعة والري، أ.د. عصمت قرشي، القرار الوزاري رقم (42) في 2026/10/2، القاضي بـحظر استيراد سلعة “الفول المصري” من جميع الدول. وقالت وزارة الزراعة إن القرار يأتي تنفيذًا لقرارات رئيس مجلس وزراء حكومة الامر الواقع، الرامية إلى دعم الاقتصاد الوطني، وتنظيم عمليات الاستيراد. إلا أن القرار لم يُذكر فيه تاريخ محدد للتنفيذ، ولا مدة زمنية لسريان الحظر. وهذا الغموض في الصياغة ليس قصورًا إداريًا، بل هو أحد مشكلات صناعة القرار نفسها. فالقرار الذي لا يحدد بدايته ونهايته، ولا آلية مراجعته، يترك قوى السوق في حالة من الترقب، والمواطن في حالة من القلق.
▪️ القرار يهدف، بحسب ما أُعلن، إلى حماية المنتج المحلي، وتوفير النقد الأجنبي، وتنظيم عمليات الاستيراد. لكن هذه الأهداف تحتاج إلى تدقيق: هل يحمي حظر الاستيراد المنتج المحلي؟ ربما، لا سيما أن الإنتاج المحلي من الفول لا يكفي لسد حجم الطلب السنوي. فالسودان يستورد الجزء الأكبر من الفول من مصر وإثيوبيا. ووارد مصر لا يتجاوز 350 ألف طن سنويًا، حسب البيانات المصرية، فيما الوارد الإثيوبي يأتي عبر منافذ الحدود الشرقية. وإذا كان الهدف هو تقليل الضغط على النقد الأجنبي، فإن وارد مصر الذي يُدفع بالدولار يمكن التحكم فيه، مع محدودية تأثيره في الضغط على النقد الأجنبي لكن الوارد الإثيوبي الذي يأتي عبر الحدود وبالتهريب أصعب في السيطرة عليه. علمًا بأن المنتج المحلي لا يلبي الطلب السنوي وسد الفجوة إذا توقف الاستيراد. الإجابة: لا. والدليل أن أسعار الفول ارتفعت مباشرة بعد القرار، وهذا يعني أن القرار إذا لم يدرس حجم الإنتاج المحلي والمخزون قد ينتج نتيجة عكسية: نقص في العرض، وارتفاع في السعر، وضغط على المواطن. خاصة وأن القرار صدر قبل شهر من موسم زراعة الفول التي تبدأ في نوفمبر ليحصد في اواسط فبراير.
فسعر جوال الفول المصري بلغ نحو 900 ألف جنيه (كبير الحبة) وفي بعض المناطق 1200جنيه و750 ألفًا (صغير الحبة). والأخطر أن المواطن لم يتحول إلى بدائل، متوقع حسب آلية السوق أن ترتفع أسعارها هي الأخرى. ومثال لذلك أن سعر جوال الكبكبي بلغ 500 ألف جنيه، والعدسية 680 ألفًا. فيما بلغ كيلو العدس 10 ألف جنيه. أي أن القرار الذي كان يهدف إلى حماية المنتج المحلي انتهى إلى رفع أسعار كل البروتينات النباتية في السوق. والمواطن الفقير الذي كان يعتمد على الفول أصبح عاجزًا عن شراء الفول وبدائله معًا.
▪️ وهنا تظهر المفارقة في إن القرار الذي يحمي المنتج، يقــتل المستهلك، والسياسة الاقتصادية التي لا توازن بين الإثنين، تفشل في الاثنين معًا.
هذا هو السؤال الأهم، الذي لم يجب عليه القرار؛ فالحظر إذا كان موسميًا، أي مرتبطًا بموسم الحصاد، فإنه يحمي المنتج المحلي في وقت وجوده، ويسمح بالاستيراد في وقت غيابه. أما إذا كان دائمًا أي طوال العام فإنه يخلق فجوة غذائية لا يمكن للمنتج المحلي أن يسدها وحده والمشكلة أن القرار لم يحدد أي من الاحتمالين، وهذا يعني أن السوق لا يعرف كيف يخطط. والتاجر لا يعرف كيف يستورد، والمستهلك لا يعرف كيف يدبر قوته.
▪️ والنتيجة أن المستهلك إذا استمر الحظر سيذهب من الفول المصري إلى الفول الإثيوبي، وهو أقل جودة. أو سيستبدل الفول بالعدس، أو بالكبكبي، وكلها ارتفعت. أو سيقلل وجبته، وهذا هو الخطر الأكبر.
والأمن الغذائي في السودان ليس مسألة قطرية فقط؛ بل هو جزء من الأمن الغذائي القومي العربي. فالفول سلعة عربية، ومصر تنتج وتصدر، والسودان يستورد ويستهلك. والتكامل بين البلدين ليس ترفًا، بل ضرورة. ولو كان هناك تنسيق عربي في إنتاج وتبادل الغذاء، لما وجدنا أنفسنا أمام قرار حظر يرفع الأسعار ويقـ.ـتل الفقير. فالقرار إذا لم يكن جزءًا من رؤية قومية، يبقى حلًا مؤقتًا لأزمة دائمة.
الموقف ليس رفض القرار كمبدأ؛ فالدولة يحق لها أن تنظم الاستيراد، وتحمي المنتج المحلي، وتوفر النقد الأجنبي. لكن الحل ليس في الحظر وحده، بل في منظومة متكاملة:
أولًا: التحكم في الوارد المصري. هذا ممكن، فمصر دولة، والحدود معروفة، والموانئ مراقبة. ويمكن تنظيم الاستيراد بالتنسيق مع الجانب المصري.
ثانيًا: السيطرة على الحدود الإثيوبية. هذا أصعب فالحدود طويلة، والمعابر غير رسمية، والتهريب منتشر. والقرار إذا لم يُغلق هذه المنافذ، فإن الفول الإثيوبي سيواصل الوصول لكن بسعر أعلى، وبجودة أقل، ودون رقابة.
ثالثِا: التنسيق بين المنتوج المحلي ووقته وحجمه ضمن الطلب الكلي .
رابعًا: حماية المستهلك، لا يمكن أن تكون حماية المنتج على حساب المستهلك. والحل ليس باستمرار التفكير التقليدي، في إغلاق باب الاستيراد، بل في فتح بدائل، وتركيز ودعم الأسعار، ومراقبة الاحتكار، وإعادة الحياة إلى الجمعيات التعاونية الزراعية، ضمن رؤية واسعة مؤمنة بالتعاون، الإنتاجي والخدمي، ودوره، جنبًا إلى جنب التوسع في شركات المساهمة العامة، وتجاوز تصدير المنتجات الوطنية كمواد أولية أو خام، وإنما اعتماد منهجية إدخالها في سلاسل القيمة المضافة. فالدولة التي لا تستطيع أن تطعم شعبها لا تستطيع أن تحمي سيادتها، ومن لا يملك قوته، لا يملك قراره.
▪️ خلاصة القول، الفول في السودان ليس سلعة في دفتر التجارة الخارجية؛ إنه جزء من الأمن الغذائي اليومي، والقرار الذي يمسه دون دراسة، يمس مائدة ملايين السودانيين. والمواطن الذي أنهكته حـ.ـرب لا ناقة له فيها ولا جمل، لا يحتمل قرارًا خبط عشواء. والمطلوب ليس التراجع عن القرار كهدف؛ بل إعادة دراسته علي ضوء بيانات حقيقية، وتحديد توقيت سريانه، ومراجعته باستمرار، ووضع المواطن في مركز المعادلة، لأن الدولة القوية ليست التي تمنع الاستيراد فحسب؛ وإنما التي تمنع الجوع وارتفاع الأسعار والاحتكار في الوقت نفسه. وتوزن معادلة إنصاف المنتج والمستهلك معًا. والسياسة الاقتصادية الناجحة ليست التي تنتصر في بياناتها؛ وإنما التي تنتصر في مائدة المواطن، مع دعوة لتفكير جديد “لحماية المنتج”.
حزب البعث العربي الاشتراكي
كلمة الهدف
2026/10/8

Leave a Reply