فجر اليمن.. من استعادة الأرض إلى استعادة الدولة: قراءة في دلالات (القادسية الثالثة) وأمن اليمن والبحر الأحمر من منظور الدولة والأمن القومي العربي

صحيفة الهدف

أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

إن الإعلان عن عملية (فجر اليمن)، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبراً عسكرياً آخر في حرب طويلة استنزفت اليمن وأرهقت المنطقة، وإنما بوصفه تطوراً يفتح من جديد السؤال الأكبر: هل يستطيع اليمن أن يستعيد الدولة قبل أن يصبح الصراع على الدولة صراعاً على الجغرافيا والموانئ والممرات والموقع الإقليمي؟

ففي 5 أكتوبر 2026 أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي انطلاق عملية «فجر اليمن» لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين، بعد أن كانت خطوط المواجهة قد شهدت خلال الأشهر الأخيرة تغيرات مهمة، ولا سيما على الساحل الغربي. وفي اليوم التالي للإعلان، أعلنت القوات الحكومية سيطرتها على مواقع في منطقة باب المندب وذباب والمخا.

لكن قيمة الحدث لا تكمن في التقدم الميداني وحده. فـاستعادة الأرض ليست بالضرورة استعادة للدولة. الدولة أوسع من الجغرافيا، وأعمق من السيطرة العسكرية. إنها مؤسسات وقانون ومواطنة وسيادة واحتكار شرعي للقوة وقدرة على تقديم الخدمات وحماية الحدود وإدارة الاقتصاد وصيانة وحدة المجتمع. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه «فجر اليمن» ليس فقط: كم من الأرض يمكن استعادته؟ وإنما: أي دولة ستخرج من هذه الحرب؟

ولا تنفصل استعادة الدولة عن استعادة الجمهورية؛ فالجمهورية هنا ليست مجرد صيغة للحكم، وإنما إطار قانوني وسياسي تتجسد فيه سيادة الشعب، ووحدة المؤسسات، واحتكار الدولة للسلاح، ومرجعية الدستور والقانون. ومن ثم فإن إنهاء الانقلاب لا يكتمل بإزاحة سلطة الأمر الواقع عسكرياً، وإنما باستعادة المركز القانوني للدولة وإعادة بناء المؤسسات التي تجعل الجمهورية واقعاً مؤسسياً لا مجرد شعار سياسي.

لقد دخل اليمن منذ سنوات في أزمة تجاوزت حدود الصراع على السلطة، وتحولت إلى أزمة في بنية الدولة ذاتها.

فالانقسام لم يعد سياسياً فقط، وإنما أصبح جغرافياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، وتداخلت فيه قوى محلية وإقليمية ودولية. وقد ظلت خطوط التماس الرئيسية مجمدة إلى حد كبير منذ هدنة 2022، قبل أن تتجدد المواجهات وتتغير موازين القوى خلال 2026.

وهنا تكمن المعضلة. فكلما طال أمد الحرب، أصبح من الصعب الفصل بين الحرب من أجل استعادة الدولة وبين الحرب التي تعيد إنتاج مراكز القوة خارج الدولة.

وهذه إحدى أخطر نتائج الحروب الطويلة: أنها لا تكتفي بتدمير المؤسسات الموجودة، بل قد تنتج مؤسسات وأجهزة ومصالح واقتصادات موازية للدولة.

ومن ثم فإن استعادة الدولة لا تعني فقط إسقاط سلطة الأمر الواقع، وإنما تعني أيضاً إعادة توحيد القوة والسلاح والقرار والاقتصاد والمؤسسات تحت سلطة الدولة والقانون.

هنا تتجاوز المسألة اليمنية حدود اليمن، فاليمن لا يطل فقط على بحر؛ إنه يطل على واحد من أكثر المواقع حساسية في النظام الاقتصادي والاستراتيجي العالمي: باب المندب. والسيطرة على هذا الموقع أو القدرة على تهديد الملاحة عبره تمنح أي قوة موجودة في غرب اليمن وزناً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

ولهذا فإن استعادة الحكومة اليمنية لمواقع في محيط باب المندب، إذا استقرت ميدانياً، ليست مجرد مكسب عسكري محلي، بل تطور له انعكاسات على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. وقد أعلنت القوات الحكومية بالفعل استعادة مواقع استراتيجية في المنطقة، بينما ما تزال التفاصيل الميدانية محل متابعة وتضارب في بعض الروايات.

وهنا يجب أن ننتبه إلى مسألة أساسية: كلما ضعفت الدولة اليمنية، زادت قيمة الجغرافيا اليمنية بالنسبة إلى الآخرين. فالميناء يصبح ورقة تفاوض، والمضيق يصبح أداة ضغط، والساحل يصبح مجالاً للتدخل، والجزر والممرات تصبح عناصر في صراع إقليمي أوسع. وهكذا تتحول جغرافية اليمن من مصدر قوة للدولة إلى مصدر جذب للقوى المتنافسة عليها.

وصف العملية بأنها «قادسية ثالثة» يحمل شحنة تاريخية وقومية واضحة، ويضع المعركة في إطار مواجهة أوسع مع النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن القراءة السياسية الأعمق تقتضي ألا نكتفي بالرمزية التاريخية. فالقضية ليست في استدعاء اسم القادسية بقدر ما هي في السؤال الذي يقف خلفه: هل يستطيع اليمن أن يتحول من ساحة للتنافس الإقليمي إلى دولة صاحبة قرار مستقل؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي خطاب قومي.

وعندما يصف البيان العملية بأنها (القادسية الثالثة)، فهو لا يستخدم المصطلح بوصفه تسمية عسكرية فحسب، وإنما يضع المعركة في سردية قومية تعتبر أن اليمن جزء من صراع أوسع حول استقلال القرار العربي ومنع تحويل الأقطار العربية إلى ساحات نفوذ خارجي. لكن القيمة السياسية لهذا الاستدعاء التاريخي لا تقاس بقوة الرمز وحدها؛ وإنما بما يمكن أن يترتب عليه في الواقع من بناء دولة يمنية مستقلة القرار، موحدة المؤسسات، وقادرة على حماية أمنها الوطني ومجالها العربي.

كما أن توقيت العملية، في قراءة البيان، يحمل دلالة رمزية تتجاوز المصادفة الزمنية؛ فهي تتزامن مع ذكرى الثورة اليمنية في 14 أكتوبر، ومع ذكرى حرب أكتوبر 1973، بما يستدعي في الذاكرة السياسية اليمنية والعربية معنى التحرر واستعادة القرار ومقاومة الاحتلال والهيمنة. ومن ثم يحاول البيان وضع «فجر اليمن» في سياق رمزي متصل بثورات سبتمبر وأكتوبر اليمنيتين وبالمعارك العربية الكبرى التي ارتبطت باستعادة الأرض والقرار.

فالاستقلال الوطني لا يتحقق بمجرد مواجهة نفوذ خارجي، وإنما عندما يصبح المجتمع قادراً على بناء دولة لا تسمح لأي قوة خارجية بأن تتحول إلى شريك في تقرير مصيره. ومن هنا فإن مواجهة النفوذ الإيراني، في القراءة القومية، لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة مذهبية مع الشيعة؛ فهذا يسيء إلى القضية العربية نفسها ويفتح الباب أمام مزيد من الانقسام الاجتماعي.

المشكلة السياسية هي التدخل الخارجي واستخدام السلاح خارج الدولة وتحويل الانتماء المذهبي أو الطائفي إلى أداة سياسية وعسكرية. وهذا تمييز ضروري. فالقومية العربية، في جوهرها السياسي، لا تواجه مواطناً يمنياً بسبب مذهبه، وإنما تواجه كل مشروع يحول اليمن إلى ساحة نفوذ أو يجعل القرار الوطني تابعاً لمركز خارج الدولة.

والهوية العربية التي يشير إليها البيان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بديلاً عن الهوية اليمنية، وإنما باعتبارها دائرتها القومية الأوسع. فاليمن، في هذه الرؤية، لا يفقد خصوصيته الوطنية عندما ينتمي إلى المجال العربي، كما أن العروبة لا تلغي خصوصيات أقطارها، بل تمنحها إطاراً تاريخياً وثقافياً وسياسياً أوسع. ومن هنا فإن الدفاع عن عروبة اليمن هو، في جوهره، دفاع عن استقلال قراره الوطني وعن انتمائه الحضاري، وليس دعوة إلى إلغاء التنوع اليمني.

وهنا أعتقد أن تصريح قيادة قطر اليمن يفتح باباً مهماً يجب ألا نغلقه بالشعارات. فالحديث عن استعادة الجمهورية والدولة والوحدة والهوية العربية يحمل أهدافاً سياسية واضحة، لكن نجاحها لا يتحدد في الميدان العسكري وحده. ماذا بعد استعادة الأرض؟ هل تعود المؤسسات؟ هل يعاد توحيد الجيش والأمن؟ هل تُبنى سلطة قانون واحدة؟ هل تُستعاد الحياة السياسية؟ هل تُعالج آثار الحرب الاجتماعية؟ هل يُعاد بناء الاقتصاد؟ هل تكون الوحدة اليمنية وحدة مواطنين ومؤسسات، أم مجرد استعادة للسيطرة المركزية؟ هذه الأسئلة ليست هامشية. لأن التاريخ يعلمنا أن الانتصار العسكري يمكن أن ينهي معركة، لكنه لا ينهي بالضرورة أسباب الحرب.

ولذلك فإن (فجر اليمن)، ينبغي أن يكون، إذا أريد له أن يتحول إلى لحظة تاريخية، فجراً للدولة لا فجراً عسكرياً فقط. ولذلك فإن توحيد الصف الوطني لا ينبغي أن يكون تعبئة عسكرية مؤقتة مرتبطة بالمعركة، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشروع سياسي لما بعد الحرب؛ يجمع اليمنيين حول الدولة والدستور والقانون، ويعيد دمج المؤسسات والقوى المسلحة في إطار وطني واحد، ويفتح المجال أمام معالجة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي غذت الصراع.

فالتحدي الذي تواجهه اليمن ليس منفصلاً عن التحديات التي تواجه عدداً من الأقطار العربية: ضعف الدولة، تفكك المجتمع، صعود القوى المسلحة، التدخل الخارجي، أزمة الشرعية، الاقتصاد الهش، وتحول الجغرافيا الوطنية إلى مجال للتنافس الدولي والإقليمي. وهذه ليست أزمات منفصلة. إنها حلقات في سلسلة واحدة: ضعف الدولة يفتح باب التدخل، والتدخل يعمق الانقسام، والانقسام ينتج قوى مسلحة، والقوى المسلحة تضعف الدولة أكثر، ثم يصبح الخارج أكثر قدرة على التدخل.

وهكذا ندخل في الحلقة المفرغة، والخروج منها لا يكون باستبدال قوة مسلحة بقوة مسلحة، وإنما بإعادة بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة والقانون والسيادة والمؤسسات. وهذه، في تقديري، واحدة من أهم النقاط التي ينبغي (تصريفها)، عند قراءة اليمن في ضوء التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر: أزمة الدولة العربية ليست فقط في ضعفها أمام الخارج، وإنما في ضعف بنيتها الداخلية الذي يجعل الخارج قادراً على النفاذ إليها.

وما يحدث في اليمن لا يمكن فصله عن البحر الأحمر، فاليمن يمثل الضفة الشرقية للبحر، والسودان ومصر والسعودية ودول عربية أخرى ترتبط به اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً بدرجات مختلفة. ولهذا فإن استمرار الحرب اليمنية يعني استمرار قابلية أحد أهم الممرات البحرية في العالم للتعرض للاضطراب. وقد أظهرت السنوات الأخيرة كيف يمكن أن تتحول المواجهة اليمنية من حرب داخلية إلى أزمة في التجارة العالمية والملاحة والطاقة والتأمين والنقل. وهنا تظهر المفارقة: الحرب التي بدأت داخل الدولة أصبحت تؤثر في النظام الإقليمي، والنزاع الإقليمي عاد ليؤثر في مستقبل الدولة اليمنية.

وهذا هو معنى (البعد القومي)، في القضية، ليس المقصود أن تتحول الدول العربية إلى طرف في حرب مفتوحة، وإنما أن تدرك أن تفكك أي دولة عربية لا يبقى شأناً داخلياً بالكامل عندما تكون الدولة جزءاً من جغرافيا استراتيجية مشتركة.

هنا يجب أن نكون أكثر حذراً، العملية العسكرية قد تستعيد مواقع استراتيجية، وقد تغير ميزان القوى، وقد تفتح الطريق أمام استعادة صنعاء. الحوثيون لا يمثلون فقط قوة عسكرية؛ فقد نشأت حول سيطرتهم خلال سنوات الحرب بنى سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، ما يجعل معالجة آثار الصراع أوسع من مجرد حسم السيطرة العسكرية.

ولهذا فإن تفكيك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة تفكيك البيئة التي أنتجتها. وإذا لم ترافق العملية العسكرية عملية سياسية وطنية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، فقد تنتقل الأزمة من شكل إلى آخر. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن» يبدأ بعد المعركة بقدر ما يبدأ معها.

أما الحديث عن الوحدة اليمنية، فيحتاج إلى قراءة أكثر عمقاً. فالوحدة لا تستمر فقط لأن الجيش يسيطر على الأرض، وإنما عندما يشعر المواطن في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والحديدة وكل المناطق اليمنية أنه شريك في دولة واحدة، وليس تابعاً لمركز سياسي أو عسكري.

الوحدة التي تقوم على القوة وحدها تبقى معرضة للاهتزاز، أما الوحدة التي تقوم على المواطنة والعدالة والتنمية وتكافؤ الفرص والمؤسسات الوطنية فتملك مقومات الاستمرار. ومن هنا فإن استعادة الدولة ينبغي أن تعني استعادة الدولة لكل اليمنيين، لا استعادة سلطة طرف على اليمنيين. لذلك فإن عملية «فجر اليمن» تحمل ثلاثة مستويات متداخلة:

المستوى الأول: عسكري، استعادة الأرض والمؤسسات والمواقع الاستراتيجية.

المستوى الثاني: وطني، إعادة بناء الدولة اليمنية وتوحيد مؤسساتها وقواها المسلحة وأجهزتها.

المستوى الثالث: قومي وإقليمي، منع تحول اليمن وباب المندب إلى منصة دائمة للتدخل والصراع الدولي والإقليمي.

والنجاح في المستوى الأول لا يضمن النجاح في المستويين الثاني والثالث. وهنا تحديداً ينبغي أن يكون الوعي السياسي أعلى من الحماس العسكري.

فليس المطلوب فقط أن تنتصر الدولة على الانقلاب، وإنما أن تنتصر أيضاً على أسباب الانقلاب، وعلى أسباب الانقسام، وعلى اقتصاد الحرب، وعلى منطق الجماعات المسلحة، وعلى قابلية الدولة لأن تصبح ساحة نفوذ خارجي.

أما مرحلة ما بعد استعادة المناطق فتطرح تحدياً أمنياً لا يقل أهمية عن المعركة نفسها: حماية المدن والمناطق المستعادة من الفوضى والانتقام والعنف السري، مع إخضاع أي إجراءات أمنية للدستور والقانون وضمانات العدالة، حتى لا تتحول مواجهة الخلايا المسلحة إلى باب جديد للاعتقالات خارج القانون أو الثأر السياسي والاجتماعي.

إذا كان وصف «فجر اليمن» بأنه «قادسية ثالثة» يحمل معنى المواجهة مع مشروع خارجي، فإن القادسية الحقيقية، في تقديري، يجب أن تكون قادسية بناء الدولة. قادسية تجعل اليمن صاحب قراره. قادسية تعيد السلاح إلى الدولة.

قادسية تعيد الاقتصاد إلى الإنتاج، وهل يعاد بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج والعمل، بدلاً من اقتصاد الحرب والجباية والسوق الموازية؟ فالدولة التي تستعيد مؤسساتها السياسية ولا تستعيد اقتصادها ستظل دولة هشة، وقابلة لإعادة إنتاج الصراع.

قادسية تجعل باب المندب مصلحة وطنية وقومية، لا ورقة في صراع القوى. قادسية تعيد للإنسان اليمني حقه في الأمن والعمل والكرامة. وقادسية تجعل العروبة إطاراً للوحدة والانتماء والسيادة، لا أداة لإقصاء أي مكوّن يمني.

فهذه هي النقلة التي تجعل الخطاب القومي أكثر اتصالاً بالواقع: أن تنتقل القومية من مجرد مواجهة الخارج إلى بناء الداخل القادر على مواجهة الخارج.

قد تكون استعادة باب المندب والمخا وذباب مكسباً عسكرياً واستراتيجياً مهماً، وقد تمثل بداية لتغيير ميزان القوى، لكن المعركة الأعمق تبدأ عندما تصمت المدافع. عندها ستواجه الدولة اليمنية أسئلة أكثر تعقيداً: كيف تعيد توحيد الجيش والأمن؟ كيف تستوعب القوى المحلية؟ كيف تعيد النازحين؟ كيف تعالج آثار الحرب؟ كيف تستعيد الاقتصاد؟ وكيف تمنع عودة اقتصاد الحرب وشبكات السلاح؟

فالدولة لا تستعاد في يوم واحد، ولا تبنى بالانتصار العسكري وحده. الدولة تستعاد عندما يصبح القانون أقوى من الجماعة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والقرار الوطني أقوى من النفوذ الخارجي، والمواطنة أقوى من الانتماءات الجزئية.

ومن هنا يمكن اختزال المعنى الاستراتيجي لـ«فجر اليمن» في مجموعة من المرتكزات المتكاملة: استعادة الأرض والسيادة، واستعادة الجمهورية ومؤسسات الدولة، وتوحيد السلاح والقرار الوطني، وترسيخ الوحدة اليمنية على أساس المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص، وإعادة بناء المجتمع الذي أنهكته الحرب، وإحياء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج والعمل والإعمار، وصيانة القرار الوطني من التدخل الخارجي، وحماية باب المندب باعتباره مصلحة وطنية وقومية، وترسيخ الهوية اليمنية في إطارها العربي. وهذه المرتكزات تجعل المعركة أكبر من مجرد حسم عسكري؛ فهي معركة لإعادة بناء الدولة والمجتمع معاً، ولتحويل الانتصار الميداني إلى استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي قابل للاستمرار. مرتكزات «فجر اليمن» في رؤية المقال:

1. استعادة الأرض والسيادة: استعادة المناطق والمواقع الاستراتيجية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ومنافذها وسواحلها.

2. استعادة الدولة والجمهورية: إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ الدستور والقانون، وإنهاء تعدد مراكز القوة، وإعادة الدولة إلى مركز القرار السياسي والأمني والاقتصادي.

3. توحيد السلاح والقرار الوطني: إعادة الجيش والأمن إلى مؤسسة وطنية واحدة، وإنهاء السلاح خارج الدولة، وصيانة القرار اليمني من التبعية أو التدخل الخارجي.

4. إعادة بناء الوحدة والمجتمع: جعل الوحدة اليمنية وحدة مواطنة وحقوق ومؤسسات وعدالة وتنمية، ومعالجة آثار الحرب والانقسام وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

5. إعادة بناء الاقتصاد والدولة المنتجة: الانتقال من اقتصاد الحرب والجباية والأسواق الموازية إلى اقتصاد الإنتاج والعمل والإعمار، لأن استعادة الدولة سياسياً لا تستقيم دون استعادتها اقتصادياً.

6. حماية الهوية والسيادة والأمن القومي العربي: ترسيخ الهوية اليمنية في إطارها العربي، ومواجهة التدخل الخارجي باعتباره قضية سيادة وقرار وطني، لا قضية مذهبية أو طائفية، وربط استقرار اليمن بأمن البحر الأحمر والأمن القومي العربي.

7. تحويل الانتصار العسكري إلى بناء دولة: وهو المرتكز الجامع لكل ما سبق: أن تتحول «فجر اليمن» من عملية لاستعادة الأرض إلى مسار لاستعادة الدولة، ومن انتصار عسكري إلى مشروع سياسي ومجتمعي واقتصادي يقطع الطريق على إعادة إنتاج الحرب.

ولعل المعنى الأعمق الذي ينبغي أن يُستخلص من «فجر اليمن» هو أن استعادة الدولة لا تنتهي باستعادة الأرض، كما أن مواجهة النفوذ الخارجي لا تنتهي بإخراج قوة خارجية من المشهد. فالدولة التي تريد أن تمنع التدخل في قرارها، عليها أولاً أن تستعيد وحدتها المؤسسية، وتوحد سلاحها، وتبني اقتصادها، وتعيد الاعتبار للدستور والقانون، وتحقق المواطنة والعدالة. ومن هنا فإن «القادسية الثالثة»، إذا أريد لها أن تكون أكثر من شعار تعبوي، ينبغي أن تكون قادسية بناء الدولة بقدر ما هي معركة استعادة الأرض؛ لأن الانتصار العسكري يحرر الجغرافيا، أما بناء الدولة فيحرر القرار. فاستعادة الأرض تحرر الجغرافيا، واستعادة الدولة تحرر القرار، واستعادة الوحدة تحرر المجتمع من الانقسام، وإعادة بناء الاقتصاد تحرر الدولة من اقتصاد الحرب، وصيانة السيادة تحرر اليمن من أن يكون ساحة لصراعات الآخرين.

الخلاصة: إن «فجر اليمن» قد يكون تطوراً عسكرياً مهماً، وقد يعيد رسم بعض موازين القوى في اليمن والبحر الأحمر، خصوصاً مع إعلان القوات الحكومية تحقيق تقدم حول باب المندب والمخا. لكن من المبكر تحويل هذا التطور إلى نصر نهائي؛ فالمعركة ما زالت مفتوحة، والتحدي العسكري والسياسي والإنساني لا يزال كبيراً.

أما وصف المعركة بأنها «معركة نيابة عن العالم»، فهو تعبير سياسي عن اتساع أثر الصراع اليمني، خصوصاً في ظل ارتباط باب المندب بالتجارة الدولية وأمن الملاحة. لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية؛ فالدور اليمني في حماية الملاحة لا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة أمنية لحساب الآخرين، وإنما يجب أن يكون جزءاً من استعادة السيادة اليمنية على أراضيها وسواحلها وممراتها، بما يجعل الأمن الدولي نتيجة لاستقرار الدولة اليمنية لا بديلاً عنه.

والأهم أن اليمن لا يحتاج فقط إلى تحرير الأرض، وإنما إلى تحرير الدولة من منطق الجماعة والسلاح الخارجي واقتصاد الحرب. فإذا استعادت الدولة صنعاء وباب المندب، لكنها لم تستعد مؤسساتها، وعدالتها، واقتصادها، ووحدة قرارها، فإن الحرب ستبقى كامنة تحت الرماد.

أما إذا تحولت «فجر اليمن» إلى بداية لمسار يجمع استعادة الدولة، وترسيخ الوحدة، وإعادة بناء المؤسسات، وصيانة القرار الوطني، وحماية باب المندب، ورفض تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ، فإن العملية يمكن أن تتجاوز معناها العسكري لتصبح لحظة في إعادة بناء الدولة اليمنية.

إن أخطر ما تواجهه الأمة العربية ليس فقط أن تُحتل أراضيها، وإنما أن تفقد دولها القدرة على حماية قرارها. وعندما تستعيد الدولة قوتها المؤسسية وسيادتها ووحدتها، يصبح التدخل الخارجي أكثر كلفة، ويصبح الموقع الاستراتيجي مصدر قوة لا مدخلاً للهيمنة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام «فجر اليمن» ليس فقط: هل ستنتصر القوات الحكومية؟ بل السؤال الأعمق: هل سينتصر اليمن في النهاية كدولة؟

وهذا هو الاختبار الذي يتجاوز المعركة، ويتجاوز الحوثيين، ويتجاوز التحالفات الإقليمية، ليصل إلى جوهر الأزمة العربية نفسها: كيف نعيد بناء الدولة الوطنية القادرة، ونحمي وحدتها، ونصون قرارها، ونمنع الجغرافيا العربية من أن تتحول إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين؟

ويشير البيان إلى دور «الأشقاء في التحالف العربي»، وهو بعد لا يمكن تجاهله في قراءة العملية، لكن المعيار الأهم في هذا الدور يجب أن يبقى هو تمكين الدولة اليمنية من استعادة قرارها ومؤسساتها، لا أن تتحول المساندة الخارجية إلى بديل دائم عن الدولة. فالدعم الإقليمي يكون أكثر إيجابية حين ينتهي إلى دولة يمنية أقوى، لا إلى تعدد مراكز القوة داخلها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.