أحمد مختار
الحرب العبثية الدائرة منذ 15 أبريل 2023م، لم تحصد أرواح الآلاف من الأبرياء والأطفال فحسب، بل دمّرت مقومات حياة ومستقبل 40 مليون مواطن، وما زالت نيرانها وإفرازاتها المُهلكة تنهش في جسد الوطن المتعب والمواطن معًا.
ومن أخطر تداعياتها، تهديد وحدة بلادنا بتفتيت نسيجها الاجتماعي، وهبوط أطراف الحرب بالصراع السياسي والاجتماعي والفكري بين فئات المجتمع إلى الحضيض، ونقل مجرياته المألوفة في التاريخ إلى دائرة نزاعات قبلية وعنصرية وجهوية ومناطقية، بلا سقف أو وازع أخلاقي، في ظل فضاء مفتوح للإعلام والميديا، لتتسرّب تلك الممارسات الشائهة إلى داخل المؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات.
لقد سمّمت ثقافة الحرب ومصالح أطرافها علاقات المجتمع التاريخية، وأحدثت شروخًا غائرة في مكوناته الأهلية، وازدرت المتعلمين والمثقفين والمفكرين وإسهاماتهم الوطنية، واستهانت بندقية أطرافها وميليشياتها بمستقبل ومآثر الشعب السوداني وقيمه وأمجاده الحضارية وتراثه العريق في التعايش والعيش المشترك.
وازدهر في مناخ الحرب، في الوسائط الإعلامية ومواقع التواصل والمساجد، خطاب عدمي ينضح بالعنصرية والكراهية والإقصاء، وينفي الآخر المختلف ويشيطن وجوده.
وقدّمت أطراف الحرب وميليشياتها أسوأ نموذج في التنكر لقوانين الحرب وشرف الخصومة في الوطن الواحد، وحطّمت الأنساق والقوانين التي تحكم الاقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة ومؤسساتها المعنية. فتصحّرت المشاريع الزراعية في غالب بلادنا، وتوقفت منافع الناس في الأسواق والتجارة، وفُتح الباب على مصراعيه لشركات متنفذي النظام ولصوص الأزمات والسماسرة والمضاربين باحتياجات الفقراء والكادحين، بما في ذلك استيراد المياه العذبة من الخارج!
واستغل قادة الميليشيات وتجار الحروب الفرصة ليعيثوا فسادًا غير مسبوق في تاريخ الوطن، بالمضاربة في السلع الاستراتيجية؛ الدقيق والوقود والسكر والأدوية، والاتجار في الذهب والثروة الحيوانية، بل حتى المخدرات التي دمّرت عقول الشباب، لم يتورعوا عن الاتجار فيها!
وما زال هناك مسؤولون في حكومة الأمر الواقع يكذبون على المواطن، وعلى أنفسهم بالطبع، بأنّه لا توجد أزمة في أي شيء من مجالات الحياة المتعددة!
فالأزمة مستفحلة، حقيقةً، ولكنها ليست في الوقود والمحروقات، أو تطبيق «بنكك»، أو الفول المصري، أو الأدوية، أو الكهرباء، أو السلع الاستهلاكية فحسب، إنما في الأخلاق التي تحكم نفوسهم.

Leave a Reply