نادر السماني
تتجلى القيمة النوعية لمشروع الروائية ملكة الفاضل في استثمار خلفيتها المتخصصة في علم النفس لتحويل فضاء المعتقل السري من مجرد مسرح للتعذيب المادي الفيزيائي إلى مختبر سيكولوجي بالغ التعقيد. لا تكتفي الرواية برصد السياط والقيود، لكنها تنفذ عميقًا إلى تفكيك «الميكانيزمات النفسية» التي تدير الصراع بين ذاتين: ذات الجلاد الباحثة عن تبرير السحق ومحو الآخر، وذات الضحية المستميتة للدفاع عن تماسكها العصبي والرمزي من التفتت.
1. تشريح سيكولوجية الجلاد: الملفوظ بوصفه مرآة للعطب النفسي
تقدم الرواية نماذج متدرجة تكشف ديناميات صناعة العنف داخل أجهزة القمع، حيث تفضح أقوالهم عوالمهم الداخلية المشوهة:
التبلد الوظيفي والاغتراب الخُلقي «تمساح»
يجسد شخصية الجلاد الآلي المنفصل تمامًا عن مشاعره الإنسانية؛ إذ لا يمارس التعذيب بدافع حقد عقائدي، وإنما بحيادية مخيفة تظهر بوضوح في قوله: «لا يا سعادتك.. أصلو شغل.. أوامر.. أكل عيش».
هذا القول ليس تبريرًا سطحيًا، كما يبدو ظاهره، وإنما هو ميكانيزم دفاعي يُسقط عنه الشعور بالذنب، محولًا الكائن البشري المتألم إلى مجرد «مادة عمل» روتينية لكسب القوت.
ويظهر عجزه الإدراكي بوضوح حين يُسأل عما يردده صلاح تحت وطأة التعذيب، فيجيب ببلادة وبساطة: «مرة يقول زينب سر.. أو كلام لا أفهمه»؛ فالرمز والمجاز يستعصيان على وعي أداة بيولوجية صماء لا تفهم إلا لغة السياط المادية.
السادية والتعويض المرضي «المحقق الضئيل»
يُظهر السرد تلازمًا سيكولوجيًا بين ضآلة حجمه الجسدي ونزعته السادية المتطرفة؛ فالرغبة المستعرة في كسر المحامي المرموق تمثل تعويضًا مفرطًا عن عقدة نقص دفينة إزاء مكانة النخب الفكرية.
يتفجر هذا الميكانيزم في وعيده: «أنا هنا لانتزاع المعلومات منك انتزاعًا.. وإذا كان آخرون قد تعاملوا معك بطيبة ورأفة لا تستحقها، فأنا أعرف كيف أعاملك بما تستحق».
ويمكن ملاحظة استخدام الفعل «انتزع» وتوكيده بـ«انتزاعًا»، وما يحمله ذلك من نبرة قوية تكشف حجم حقده، وصولًا إلى استباحة الحياة دون سقف قانوني: «يمكن أن تترحم على روحك.. فقد حكمتَ على نفسك بالإعدام!».
ويجد هذا النمط في سلطة القبو المطلقة قناعًا ينتقم به من ضآلته الذاتية.
الانشطار القيمي وعذاب الضمير المأزوم «الرائد الطيب»
يمثل النموذج الأكثر تعقيدًا؛ فهو يعيش تمزقًا حادًا بين ولائه المؤسسي وبقايا ضميره الإنساني المعذب. يحاول أولًا الاحتماء بآلية «التبرير العقلاني» لغسل يديه من عار التعذيب: «نحن نأسف لما يحدث لك.. إنها دواعي الأمن والاحتياط.. أمن الوطن.. أمن البلاد».
لكن صلابة المعتقل تفجر قناعه التبريري، ليطفو الصراع المكبوت من خلال تحذير مباغت ينم عن هلع خُلقي واعتراف بالانحطاط المؤسسي: «بين هذه الجدران يوجد ما هو أسوأ من الضرب، ومن هم أرذل من تمساح وزبانيته».
وهي صرخة تفضح انقسامه الداخلي وعجزه عن إيقاف آلة البطش التي يخدمها. ولعل محاولاته تقديم بعض الخدمات لصلاح تمثل محاولة لترميم ذاته التي واجهت الخراب داخلها.
2. ميكانيزمات الضحية: تنوع استراتيجيات البقاء والمواجهة
لا تقدم الرواية المعتقلين بنمط واحد، إذ ترصد تمايز آليات الدفاع النفسي بحسب عمق الوعي والقدرة على الاحتمال، بناءً على الخلفيات التي أعطانا إياها النص الروائي عبر السرد والحوار.
صلاح: الانفصال الحسي، النكوص الإيجابي، وأسطرة المعنى
الانفصال عن الألم الفيزيائي: في ذروة التعذيب، ينسحب وعيه إلى ملاذ داخلي، معطلًا الصراخ بوصفه علامة استسلام يبتغيها أو يتمناها الجلاد.
النكوص الإيجابي: في مواجهة خنق الجدران الضيقة، يستدعي فضاء «إمبراطورية الباحة» في طفولته المفتوحة تحت شجر المانجو المورقة، إلى جوار إبريق الفخار؛ ليعيد توازن جهازه العصبي في مواجهة عتمة الزنزانة رقم (6).
التسامي بشفرة «زينب»: يحصن وعيه بأسطرة «زينب» وتحويلها من شخصية واقعية ملموسة إلى معادل رمزي للحرية والوجود المطلق؛ فالتمسك بها هو تمسك بالمعنى الأخير الذي يحول دون موت الذات الروحية. ولعل هذا ما يفسر عدم وجود زينب واختفاءها في النص الروائي، مع بقاء دورها المعنوي الداعم.
المعتقل الأصلع: الإسقاط العنيف والعدوان اللفظي المضاد
يجسد نمط المقاومة بالغريزة والمواجهة الحسية الصريحة؛ إذ لا يلجأ إلى التأمل الفلسفي، لكنه يوظف «الشتيمة المقذوفة» آليةً دفاعيةً تفرغ شحنات القهر والألم.
صراخه بالسباب وهو يُقاد مثخنًا بالجراح يمثل محاولة لإعادة التوازن النفسي عبر نزع الهيبة عن الجلاد وكسر سلطة الصمت المفروضة، مثبتًا أن روحه لم تُروَّض رغم تهتك جسده. ولا نحتاج إلى التأكيد على تأثير هذه الشتائم اللاسعة في الجلادين.
الشاب النحيل: الخرس الصدمي وتداعي الأنا (Catatonia)
يمثل الوجه المأساوي لعجز الحيل الدفاعية أمام هول الصدمة؛ حيث يفضي التعذيب المفرط للطالب الغض إلى انهيار المنظومة النفسية بالكامل، والدخول في طور «الخرس الصدمي» والتبلد الحركي: «ظل راقدًا صامتًا يُحملق في اللاشيء.. يبدو عليه الهلع والقنوط».
يجسد هذا النموذج مرحلة تفتت الذات حين يتجاوز العنف طاقة الاحتمال البشري، فيغدو الصمت إعلانًا عن موت المعنى وسقوط الحيل الدفاعية كافة.
تؤكد ملكة الفاضل، في هذه المقاربة السيكولوجية، أن الزنزانة لم تكن صراعًا بين سوط وجسد، وإنما معركة مصيرية بين آليات تمزيق الإنسانية واستراتيجيات التشبث بالكرامة والمعنى، أو هذا ما توصلت إليه من قراءة قابلة للحوار والاختلاف.
في الحلقة القادمة والأخيرة:
ننتقل من تشريح النفس إلى تفكيك المجتمع والدولة؛ كيف تحولت رواية «الجدران القاسية» إلى وثيقة سوسيولوجية جريئة ترصد تجريف التسعينيات، وتكشف آليات ترييف العاصمة وتفكيك الطبقة الوسطى، وتحالف الأيديولوجيا مع أجهزة القمع.

Leave a Reply