عبدالمنعم مختار
الحرب لا تنتهي عند مناطق الاشتباك، ولا تتوقف خسائرها عند القتلى والجرحى والبيوت المهدمة، فثمة حرب أخرى صامتة تتسلل إلى داخل البيوت، وتعيد تشكيل العلاقات والأدوار والروابط الاجتماعية. وفي السودان، حيث أجبرت هذه البائسة الملايين على النزوح واللجوء، بدأت الأسرة نفسها تدفع ثمناً باهظاً من تماسكها واستقرارها.
ولا توجد، في ظل استمرار الحرب وانقسام المؤسسات وتعطل جانب كبير من أجهزة الدولة، إحصاءات وطنية حديثة وموثوقة ترصد حجم التفكك الأسري أو عدد حالات الطلاق التي وقعت منذ اندلاع الحرب. فالسجلات المدنية والقضائية لا تعمل بصورة منتظمة في جميع أنحاء البلاد، كما أن ملايين الأسر نزحت من مناطقها، بينما أصبحت المحاكم نفسها موزعة بين مناطق نفوذ مختلفة. لذلك تبقى الأرقام المتاحة جزئية، وتأتي غالباً من تقارير المنظمات الدولية، أو من شهادات المحامين والنازحين والفاعلين في المجال الإنساني، وهي وإن كانت لا تقدم صورة إحصائية مكتملة، فإنها تكشف بوضوح عن اتجاه اجتماعي مقلق.
ومن بين المؤشرات التي تعكس حجم الضغط الواقع على الأسرة السودانية أن نحو ما يزيد على عشرة ملايين شخص كانوا نازحين داخل السودان، فيما اضطر ملايين آخرون إلى اللجوء خارج البلاد. وتشكل النساء والأطفال نسبة كبيرة من هؤلاء النازحين، في ظروف ترتفع فيها مخاطر العنف والاستغلال والتفكك الأسري.
وسط هذا الركام الاجتماعي، يبرز الطلاق بوصفه أحد أكثر الأعراض قسوة.
لم يعد الطلاق في كثير من الحالات نتيجة خلافات زوجية تقليدية، وإنما صار ابناً للحرب: نزوح متكرر، فقر، فقدان العمل، غياب أحد الزوجين، اختلاف مناطق السيطرة، الخوف من الملاحقة، والعجز عن توفير الحد الأدنى من احتياجات الأطفال.
وتكشف شهادات وتقارير عن نساء اضطررن إلى مغادرة أزواجهن والعودة إلى أسرهن مع أطفالهن، بعدما تحولت الحياة المشتركة إلى دائرة من الخوف والعنف والعجز الاقتصادي. بعضهن وجدن أنفسهن، فجأة، المعيلات الوحيدات لأطفالهن.
والأشد قسوة أن الحرب لم تكتفِ بتفكيك الزواج، بل جعلت حتى الطلاق نفسه أسير الانقسام العسكري. ففي بعض الحالات يتعذر إعلان الزوج بالدعوى لأنه يقيم في منطقة تسيطر عليها الجهة المقابلة، فتُتخذ إجراءات غيابية، وقد يصدر الحكم دون أن يعلم الطرف الآخر به. وقد تفتح هذه الإجراءات لاحقاً أبواباً لنزاعات قانونية جديدة حول الإعلان والحكم والزواج اللاحق.
وهكذا تتحول الأسرة من ملاذ في زمن الخوف إلى واحدة من ساحات الحرب غير المرئية.
إن أخطر ما تفعله الحرب أنها تجعل الأطفال يدفعون فاتورة معركة لم يختاروها: طفل بلا أب حاضر، أو أم مثقلة بمسؤوليات تفوق طاقتها، وأسرة معلقة بين النزوح والانتظار والمجهول.
لهذا، فإن وقف الحرب ليس مطلباً سياسياً فحسب؛ إنه ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الأسرة السودانية. أوقفوا الحرب الآن، قبل أن يصبح التفكك الأسري أحد أكثر إرثها رسوخاً في ذاكرة السودانيين.

Leave a Reply