من موسم الهجرة إلى موسم الهزيمة فخرالدين حسب الله 

صحيفة الهدف

من موسم الهجرة إلى موسم الهزيمة فخرالدين حسب الله

وأنا أقرأ في (رسالة إلى إيلين) للطيب صالح و(رسالة إلى جيني آن) لعلي المك، لفتني التشابه الغريب بين النصين، وفي الوقت نفسه الاختلاف الجميل في الطريقة التي تناول بها كل واحد منهما الحكاية.

الرسالتان في الظاهر رسالتا حب، لكنهما في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. الحب هنا مجرد مدخل لسؤال أعمق: من نحن حين نقف بين وطنين وثقافتين؟

في رسالة الطيب صالح إلى إيلين، يبدأ من تفاصيل صغيرة جداً كالملابس، وربطات العنق، وإعداد الحقائب، ثم فجأة تتسع الرسالة. إيلين لم تعد مجرد امرأة يحبها، وإنما أصبحت رمزاً لعالم كامل عاشه الرجل ثم تركه وراءه مؤقتاً.

الرجل عاد إلى السودان، لكنه لم يعد كما ذهب. يقابل أهله وقبيلته، ويكتشف المفارقة القاسية؛ هو بينهم، لكن شيئاً داخله تغيّر. ولذلك تشعر وأنت تقرأ الرسالة بأنها خرجت من الروح نفسها التي صنعت (موسم الهجرة إلى الشمال)، كأنها صفحة ضاعت من الرواية ووجدت طريقها إلى رسالة.

إيلين من أبردين في اسكتلندا، وهو إفريقي عربي من السودان. بينهما حب، نعم، لكن بينهما أيضاً جغرافيا، وثقافة، وتاريخ، وذاكرة. ولذلك يصبح السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يعود إلى وطنه بعد أن يتغير ما بداخله؟

أما علي المك، ففي (رسالة إلى جيني آن) الحكاية أكثر مرارة. تصله رسالة من جيني آن، لكنه يكتشف أنها دعوة إلى زواجها. هنا تتحول الكتابة نفسها إلى وجع: يكتب، يمحو، يعيد الكتابة، ثم يمحو من جديد.

لكن علي المك لا يترك الهزيمة في حدود قصة حب انتهت. يقول: (الآن عرفت، عرفت، عرفت، لماذا انهزمنا)، وهنا كلمة (انهزمنا) أكبر من علاقة بين رجل وامرأة. جيني آن اختارت رجلاً من عالمها، من أهلها وثقافتها وبيئتها، بينما يعود هو إلى السودان حاملاً المسافة والذاكرة. فالهزيمة هنا ليست هزيمة محب فقط، وإنما إحساس أوسع بالمسافة بين عالمين.

وهنا يصبح التقاطع بين النصين جميلاً جداً: الطيب صالح يسأل: ماذا يحدث لنا حين نحب الآخر ونعود إلى أهلنا؟ وعلي المك يسأل: ماذا يحدث لنا حين نخسر الآخر ونعود إلى أنفسنا؟ الطيب يفتح باب النزوح والاغتراب، وعلي يفتح باب الهزيمة والذاكرة.

وفي النهاية، كلاهما يعود بنا إلى السؤال القديم المتجدد: من نحن؟

أنا بصراحة لا أعرف أي واحدة كُتبت أولاً. لكن التشابه بين النصين، حتى في بعض الأجواء والتعبيرات وطريقة حضور الجغرافيا والثقافة واللون والذاكرة، يجعل السؤال مشروعاً: هل تأثر أحدهما بالآخر؟ ممكن.

لكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالأدب ليس جزيرة مقفولة؛ فالأفكار تسافر من نص إلى نص، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن كاتب إلى كاتب، خاصةً إن تشابهت بعض العوامل الذاتية والموضوعية. والكاتب الحقيقي لا يأخذ الفكرة كما هي، إنما يمررها عبر لغته وذاكرته وتجربته ومكانه، فتخرج من عنده وكأنها وُلدت من جديد.

وهنا، في رأيي، تكمن متعة الأدب. المهم ليس دائماً من قال الفكرة أولاً، بل المهم هو ماذا فعل كل كاتب بالفكرة حين وصلت إليه؟ فالطيب صالح أخذ الحب إلى سؤال الوطن والعودة، وعلي المك أخذ الحب إلى سؤال الهزيمة والذاكرة. والاثنان، كل بطريقته، تركانا واقفين أمام المسافة نفسها: المسافة بيننا وبين الآخر… والمسافة بيننا وبين أنفسنا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.