سارة منوفلي
أحدهم يرشّح نفسه للبرلمان. والمرشحون، كالعادة، في سباق محموم لإقناع الناس بأن خلاص البلاد معلقٌ على صورهم المبتسمة وشعاراتهم اللامعة. هذا يوزّع المواد الغذائية على الفقراء والمساكين، ويقدّم نفسه نصيرًا لهم ولحقوقهم. وذاك يقيم الولائم، فالمعدة ـ في مواسم الانتخابات ـ قد تصبح أقصر الطرق إلى صندوق الاقتراع! وثالثٌ ينفق بسخاء على صوره؛ صور فوق كل عمود كهرباء، وأخرى على واجهة محل، وثالثة تلاحق الناس على الشاشات الإلكترونية، حتى يخيل إليك أن الرجل لا يترشح للبرلمان، بل يترشح لاحتلال المدينة!
الغريب أن معظم البرامج الانتخابية تتحدث عن المعضلات نفسها: الفقر، البطالة، التعليم، الصحة، الزراعة، الصناعة، الكهرباء، وتدهور العملة. وقد يتفقون حتى في تشخيص الداء، ثم يختلفون في الوصفة وطريقة العلاج. إلا صاحبنا. يجلس هادئًا، بلا جماهير تهتف، ولا مكبرات صوت تصرخ، ولا حرس يحيطون به، ولا عربات فارهة تسبقه وتتبعه. ولا يملك كيس أرز يوزعه، ولا وليمة يطعم بها الناس، ولا مالًا يشتري به أصواتهم.
فسأله أحدهم: ماذا ستقدم لهذا الشعب كي ينتخبك؟ ابتسم وقال: لن أرفع قيمة الجنيه بقرار سحري، ولن أعدكم باكتفاء ذاتي في ليلة وضحاها، ولن أحوّل بلادنا إلى دولة متقدمة بخطاب انتخابي، ولن أجعل متوسط دخل الفرد آلاف الدولارات بمجرد الفوز بمقعد. ولن أبيعكم حلمًا عن تعليم مجاني مثالي، أو صحة متاحة للجميع، بينما خزينة الدولة تنزف. أنا فقط سأوقف اللصوص! سأوقف سرقة المال العام، وأوقف الفساد، وأعيد أموال الدولة إلى خزائنها، بدلًا من أن تذهب إلى جيوب الوزراء والمسؤولين والمتنفذين.
وعندها فقط يمكن أن تتوفر الكهرباء، ويتحسن التعليم، وتتقدم الصحة، وتنهض الزراعة والصناعة، وننتج أكثر مما نستورد، وتستعيد العملة عافيتها. فالمشكلة ليست دائمًا في أن خزينة الدولة فارغة… المشكلة أن هناك من يفرّغها! نحن في بلاد الفقر لا نعاني بالضرورة من قلة المال… بل نعاني من الفساد وكثرة اللصوص!

Leave a Reply