الدبة.. بوابة الشمال إلى كردفان ودارفور

صحيفة الهدف

محمد عبد القيوم

تُعدّ محلية الدبة من المناطق الضاربة بجذورها في التاريخ السوداني، وتقع في الولاية الشمالية، جنوب غرب محلية مروي في المنحنى الجنوبي للنيل، حيث للنيل منحنيان: شمالي في منطقة أبوحمد وجنوبي في الدبة، وجنوب محلية القولد. ويتوسطها نهر النيل العظيم، حيث ينتشر سكانها على ضفتيه الشرقية والغربية. وتضم المحلية ثلاث وحدات إدارية ونحو تسع وسبعين قرية، يسكنها مزيج متنوع من القبائل، من بينها الكبابيش والبديرية الدهمشية والدناقلة والهواوير، إلى جانب بعض قبائل كردفان المتنقلة، كالحَمَر، التي اتخذت من الدبة مستقراً لها.

ويعتمد أغلب السكان على الزراعة والتجارة، كما عرفت الدبة منذ القدم وجوداً قبطياً محلياً، يُعرف أفراده باسم «الخواجات»، ويمارسون التجارة، ويؤدون شعائرهم الدينية بحرية، في نموذج من التعايش الاجتماعي القائم على المحبة والسلام.

ويُعد سوق الدبة الكبير من أبرز معالم المدينة، إذ يتوسطها ويضم سوق المحاصيل «الملقة»، حيث تتجمع مختلف المحاصيل للبيع والشراء، إلى جانب «الزريبة» التي تُعرض فيها الماشية. ومن منشآتها المهمة مستشفى الدبة المركزي، الذي اتسع دوره بصورة كبيرة خلال الحرب، وأصبح يستقبل أعداداً ضخمة من المرضى والنازحين.

وتتميز الدبة كذلك بمواقع أثرية، خاصة في منطقة تنقسي، التي تشرف عليها البعثة البولندية. أما تراثها الفني، فيرتبط بصورة وثيقة بفن الطمبور، ومن أبرز رموزه الراحلان صديق أحمد وعبد الرحيم أرقى، والشاعر الراحل عبد الله محمد خير، والفنان مرتضى العفاض. وتبقى ليالي السمر، حيث الفن والشعر على قيزان الرمال تحت ضوء القمر، جزءاً أصيلاً من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة.

وتنتشر بالقرى أندية رياضية وثقافية واجتماعية، من بينها نادي الشاطئ بكبول، والأهلي حمور، والشعلة والاستقلال، كما توجد اتحادات محلية، إلى جانب مشاريع زراعية كبرى، منها مشروع أمطار الزراعي ومشروع الراجحي بالغابة، ومشاريع الجابرية والكُرد وأبكر والعفاض وقوشابي وقنتي وغيرها.

وتكتسب الدبة أهمية اقتصادية واستراتيجية متزايدة بوصفها حلقة وصل بين شمال السودان وكردفان ودارفور عبر وادي الملك، ومنه تُنقل التمور إلى مناطق الغرب، فيما تصل إلى الدبة العطور والضأن والإبل. كما يربطها «شريان الشمال» بالعاصمة وبمروي والقولد ودنقلا ومناطق المحس وصولاً إلى مصر.

الدبة بعد الحرب.. مركز للحياة وإعادة البناء

وفي ظل الحرب، برزت الدبة بوصفها إحدى المناطق التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين، وتحولت إلى مركز للخدمات والتجارة والحركة السكانية، الأمر الذي ضاعف أهمية مرافقها الصحية والتعليمية والاقتصادية. كما أظهرت لجان القرى وأبناء المنطقة في الداخل والمهجر روحاً عالية من التكافل، خصوصاً في دعم المدارس وتوفير منظومات الطاقة الشمسية، بما يعكس قدرة المجتمع المحلي على حماية مقومات الحياة والمساهمة في إعادة البناء.

وعلى الرغم من صعوبة عبور وادي الملك، بما فيه من رمال كثيفة وندرة للمياه والسكان، ظل الوادي شرياناً تجارياً مهماً، مؤكداً أن الدبة ليست مجرد مدينة على ضفاف النيل، بل نقطة التقاء جغرافية واقتصادية وثقافية بين الشمال والغرب السوداني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.