الأمثال الشعبية في أشعار أغاني الحقيبة

صحيفة الهدف

 إسماعيل السيد أحمد

الجزء الأول
تمثل الأمثال الشعبية دعامة أساسية في بناء الهوية المشتركة للمجتمعات، وحصناً منيعاً لذاكرتها الجمعية في مواجهة النسيان ومقارعة الاندثار، كما أنها تعد سجلاً ناطقاً لتجارب الأجيال المختلفة فيها، وحارساً مؤتمناً على قيمها واخلاقها، وارشيفاً يوثق تاريخها وثقافتها، ومربياً يوجه السلوك الاجتماعي لمكوناتها.
ولذا نجد أن اشعار الحقيبة تتضمن العديد من الامثال الشعبية، فعلى سبيل المثال الشاعر/ صالح عبد السيد (أبو صلاح) في قصيدته <<كم نظرنا هلال>> وظّف مغزى المثل الشعبي القائل: (الطيور على اشكالها تقع) ليعبّر به عن حالة التوافق والانسجام التي اعترت العلاقة بينه وبين محبوبته، مؤكداً بأن الإنسان يميل بطبيعته إلى من يشبهه من حيث الطبع والصفات والسلوك، وأن الأرواح المتشابهة تتآلف وتنسجم بسرعة -كما هو الحال مع محبوبته-، كما أسهم التشابه بينهما في السلوك والطباع في توثيق أواصر تلك العلاقة، التي تبدو شبيهة إلى حد كبير بما يجمع بين الطيور المتآلفة، ولا سيما أن الطيور ارتبطت في المخيلة الأدبية بمعاني الوفاء في الحب، فغدت من أكثر الكائنات حضوراً وإلهاماً في وجدان العاشقين.
حبيبي طبع الطير
ينزل على أشكاله
استثمر الشاعر/ عبيد عبد الرحمن في قصيدته “آلفني في البرهة القليلة” المثل الشعبي «ما باليد حيلة» بطريقة تجسّد حالتي العجز واستسلام اللتين انتابتاه جراء فراق محبوبته له (فارقني وما باليد حيلة)، وبذلك ينتقل الشاعر من شأنه الخاص المتمثل في فقدانه للمحبوبة، إلى الشأن العام، الذي يجسّده عجز الإنسان وقلة حيلته إزاء تقلبات الاقدار، ويتجلّى المشهد في أبهى صور الجمال عند قوله «ساب الروح»، حيث تجاوز الشاعر به صورة فقدان الحبيب إلى الإحساس بفقدان الروح نفسها، فبذلك يتحول المثل الشعبي – في البيت- من مجرد شكوى إلى تعبير شعوري متوهِّج عاطفياً، ونافذاً إلى الأعماق وجدانياً.
فارقني وما باليد حيلة
ساب الروح دواما تتطلب رحيله
الأمل في اللقاء الذي توشّي به المثل السوداني (الحي مصيرو يلاقي) أَلهَمَ كل من الشاعرين عمر البنا في قصيدته “لا تؤاخذني فيما جرى” والشاعر/ محمد ود الرضي في قصيدته “نوم عيني البقى لي سهر” للتعبير عن حتمية اللقاء بعد الغياب، فالشاعر/ عمر البنا عمل على إعادة صياغة المثل بقوله <<الحيّ لاُبّد يرى>> في صورة وجدانية استبدل فيها كلمة «يلاقي» الواردة في المثل بـكلمة «يرى» واتبعها بلفظ «لاُبــدَّ» الدال على قطعية اللقاء ويقينية الرؤية، وبذلك يكون الشاعر قد نقل مفهوم المثل من كونه حالة تقريرية إلى صورة واقعية تعبّر عن الأمل الذي يحدوه في لقاء محبوبته، إذ إنه يعكس تجربة عاطفية مُعاشه بكل ما فيها من الم فراق وحنين لقاء وأمل في تغيير واقعه.
والمقادير فينا مخيّره
عسى رب القدرة يغيّر
والحى لا بد ما يرى
أما الشاعر/ ود الرضي فأنه لا ينظر إلى الغياب بوصفه نهاية الاشياء، وإنما يرى فيه حالة عابرة يعقبها وصال حتمي << الحَـــــيْ لابُــدَّ أن يَعُـــــــــودْ>>، مستعيضاً عن لفظ «مصيرو» الوارد في المثل الشعبي بلفظ «لاُبــدَّ»، وبذلك ينقل ود الرضي العودة من دائرة الاحتمال والرجاء إلى دائرة الأمر المتيقَّن الوقوع، مع توسيع دلالته الفلسفية من مجرد لقاء إلى عودة بعد الغياب.
الحَـــــيْ لابُــدَّ يَعُـــــــــودْ
أَزُور نَايْـــراتْ الخِــــــدُودْ
يستحضر الشاعر/ إبراهيم العبادي المثل الشعبي الدال على حتمية النصيب والقدر واستحالة الإفلات من اشطانه <<المكتوب في الجبين لابد تراه العين>> في قصيدته ” برضي ليك المولى الموالي” التي لحنها وتغنى بها الفنان/ الحاج محمد أحمد سرور بقوله:
كل نفساً توجد نصيبا
واليصيبا المولي اليصيبا
بالقدر.. كم عزّ الذليل
ففي الابيات السابقة، يفتح الشاعر مدارك التأمل الشعري في أمر القدر وتقلبات الحياة، مؤكداً بأن لكل نفس نصيباً من الاقدار، وأن ما يصيبها من ذلك النصيب واقع بإرادة الله وقدره، وأن الاقدار قادرة على تقليب الأحوال، ورفع الذليل، وإغناء الفقير، وتغيير المصائر (بالقدر كم عزّ الذليل).
يجعل الشاعر /محمد على عبد الله “الأمي” في قصيدته ” ما بخاف من شي” التي لحنها الفنان الحاج/ محمد أحمد سرور، – ومن ثم لحنها واداها الفنان/بادي محمد الطيب بلحن مختلف عن لحن الفنان سرور- من الإيمان بالقدر مصدراً لسكينته واطمئنانه، ومحفزاً لثباته في مواجهة مخاوف الحياة، مستلهماً قيم المثل القائل: << المُقدّر لابد يكون>> وذلك في قوله:
ما بخاف من شيء.. برضي خابر
المقدر لا بد يكون
في قصيدة الشاعر عمر البنا «لا تؤاخذني فيما جرى»، التي نظمها معتذراً فيها إلى الحسناء «ملّيم»، إحدى الملهمات اللاتي ارتبطت أسماؤهن بعدد من شعراء الحقيبة، يستدعي الشاعر المثل السوداني «العفو عند المقدرة» في سياق اعتذاري ذي طبيعة نفسية وعاطفية بائنة، فالشاعر لم يطلب العفو “ملّيم” بصورة مباشرة، وإنما اسس لاعتذاره من خلال الإقرار الضمني بما أحدثه جفاء المحبوبة في نفسه من ألم وعذاب، كما يتجلى في قوله: «نيران جفاك ما بقدره.. أنا بخشى روحي تودّره»؛ حيث تتحول معاناة الجفاء إلى حجة عاطفية تستدعي الصفح والعفو وتستنهض مشاعر المحبوبة.
ويبلغ هذا المنحى ذروته في قوله: «العفو يا حبيب عند المقدرة»، إذ يستحضر الشاعر المثل الشعبي في موضعه الطبيعي بوصفه قيمة أخلاقية واجتماعية تمنح طلبه للعفو مشروعية تتجاوز التجربة العاطفية الخاصة. كما أن مخاطبته للمحبوبة بعبارة «يا حبيب» تخفف من حدّة المواجهة، وتنقل الخطاب من دائرة العتاب والمساءلة إلى دائرة الاستعطاف والاسترضاء واستعادة العلاقة.
نيران جفاك ما بقدره
أنا بخَشَى روحي تودّره
ارجوك يا الحسنك بالحور ازدرى
العِفّو يا حبيب عند المقدرة
أستدعى الشاعر علي أحمداني (المساح) في قصيدة “ظبي الخدرِ الما شاف قفار” في سياق غزلي ثلاثية مظاهر الجمال الكامنة في المثل الشعبي “الخُضرة.. والماء.. والوجه الحَسَن”، ليخلق منها صورة شعرية ذات خلفية ثقافية تجس

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.