كلمة الهدف: استمرار الح.رب هو العامل الأساس في استمرار تدهور سعر الصرف، وما ينتج عنه

صحيفة الهدف

▪️هذه الكلمة ليست مجرد تعليق على التدهور المتسارع لسعر صرف الجنيه مقابل سلة العملات القابلة للصرف، ولا رد فعل على معالجات فشلت لانها تتهرب من معالجة جذور الأزمة. إنها محاولة لفهم ما يجري، وكشف ما يُخفى، وطرح ما يجب أن يُقال. إنها صوت الذين لا يجدون من يتحدث عنهم: المزارع الذي لا يجد من يشتري محصوله، والعامل الذي لا يجد عملًا، والموظف الذي يتآكل راتبه، والأم التي لا تجد ما تطعم به أطفالها. والخريجين الذين لا يجدون سوق عمل يستوعب مؤهلاتهم، والتجار الذين حولتهم سلطات الح.رب إلى بقرة حلوب لتمويل ح.ربهم المدمرة، ونفقاتها التي يضخمها الفساد والتجنيب وشراء الولاءات وإرضاء المتململين في معسكر الح.رب، والسماسرة والمنتفعين من استمرار الح.رب.
▪️في سوق القضارف الكبير، مثال لمستويات الأسعار بعد أن كسر سعر الصرف حاجز الأرقام (يمكن أن يبلغ ما يتجاوز سعر التوقع) كيلو الطماطم يباع بعشرين ألف جنيه، دستة البيض بثمانية عشر ألفًا. أسطوانة الغاز بخمسة وتسعين ألفًا، هذه ليست أسعارًا في بلد يعيش ح.ربًا فحسب، بل هي وثيقة اقتصادية تختزل مأساة كاملة، وتحوّل أبسط ضروريات الحياة إلى معركة يومية للبقاء على قيد الحياة. لكن الأهم من الأرقام نفسها هو كيف تُقرأ. وكيف تُفسّر. وكيف تُدار.
1. الأرقام التي تُفضح: كيلو الدقيق 7,500 جنيه. كيلو الذرة 6,000جنيه. كيلو السكر 9000جنيه. لتر البنزين 6,500جنيه. لتر الجازولين 10,000جنيه. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات على الغلاء، بل هي إعلان وفاة اقتصاد السوق الحر، الذي تظن سلطة الأمر الواقع إنها بتحرير سعر الصرف، حسب منشور محافظ البنك المركزي، سترضي مؤسساته الدولية، مقننة بذلك تحول الدولار والعملات الأخرى إلى سلعة تحكمها آلية قوى السوق ومضارباتها، وفق العرض والطلب.
2. فقد تحول الاقتصاد الذي يفتقد إلى مؤسساته ودورته المالية والإنتاجية إلى ما يمكن تسميته (اقتصاد الحرب)، اقتصاد لا ينتج، بل يعيد توزيع الفقر، وتحوّل قواه، التي توفر لها سلطة الأمر الواقع الحماية، الندرة إلى مورد للربح والثراء العاجل. هذه الأرقام ليست معزولة. إنها جزء من أزمة أكبر: 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، و14 مليون نازح، و5 ملايين في المرحلة الرابعة من انعدام الأمن الغذائي. الاقتصاد السوداني لم يعد اقتصادًا بالمعنى التقليدي، بل أصبح اقتصاد ح.رب: اقتصاد لا ينتج، بل يعيد توزيع الفقر.
3. كيف تُدار الأزمة؟:في الأيام الأخيرة، خرجت علينا سلطة الأمر الواقع بمجلس وزرائها ووزير ماليتها، وبالبرهان نفسه، في حوارات إعلامية متكررة. وما قالوه يكشف أكثر مما يخفون.
السبب الأول الذي يقدمونه لأزمة سعر الصرف واستمرار تدهوره: مؤامرة خارجية تستهدف سعر الصرف: هذا التبرير غير المسنود بوقائع ليس تحليلًا، بل تهرّب. نعم، هناك ضغوط خارجية تستغل هشاشة الوضع القائم وهزال سلطة الأمر الواقع. نعم، هناك مضاربة. لكن اختزال أزمة اقتصاد كامل في (مؤامرة)، هو تنصل عن المسؤولية، وتغطية على الأسباب الحقيقية.
▪️السؤال الذي لم يُطرح: ما دور استمرار الح. رب في تدمير الاقتصاد؟ ما دور توسع الإنفاق الحكومي على الآلة العسكرية؟ ما دور الفساد المستشري في مؤسسات الدولة؟ ما دور الاستدانة التي تغطي عجز الموازنة؟ ما دور البذخ في الحوافز والسفريات والمخصصات وتأسيس جيش جرار من المستوزرين وحاشياتهم، كل هذه الأسئلة غائبة عن خطاب السلطوي. وكأن الأزمة جاءت من الخارج، لا من الداخل، التي فاقمها انقلابهم المشؤوم في أكتوبر2021 ،الذي وصل إلى طريق مسدود بفعل المقاومة الشعبية السلمية، فتحول أصدقاء الأمس الذين تآمروا على الانتقال إلى أعداء اليوم وفجروا أوضاع البلاد بهذه الح.رب الطاحنة، التي يتهربون باسم (الخارج)، من إفرازاتها ونتائجها.
4. لم تذكر سلطة الأمر الواقع أن القطاع الزراعي، الذي يعتمد عليه نحو 65%من السودانيين، تعرض لضربة قاصمة: إنتاج الحبوب انخفض 46%، و90% من المزارعين أفادوا بمحاصيل أقل. ولم تذكر أن أكثر من 80% من إنتاج الذهب يخرج خارج القنوات الرسمية، مما يحرم الدولة من موارد دولارية حيوية. هذه الأسباب لم تُذكر. ولم تُناقش. ولم تُعالج. ولم يفكر المسؤولين، الذين يطالبون الشعب بالصبر وتلاوة آيات من الذكر الحكيم، بخفض مرتباتهم وامتيازاتهم، والكف عن الصرف البذخي في إعادة تأسيس المقار والمكاتب وتحويل أساطيل السيارات التي يمتطونها وعوائلهم وحاشياتهم، إلى المشافي التي تفتقر إلى خدمات الإسعاف وإلى الجامعات والمدارس لنقل الأساتذة والطلاب، بل وتحويل بعض منها إلى شركة مواصلات عامة تخفف المعاناة على المسحوقين والعاملين الذين يعجزون أحايين كثر في الوصول إلى مواقع العمل أو العودة إلى مساكنهم..
5. لو أخذنا المحروقات كمثال. لماذا يرتفع سعر البنزين والجازولين كل شهر أو أقل ؟ تقول السلطة: نقص الإمدادات. لكن الحقيقة أعمق:
▪️ الجيش الجرار من المستوزرين وكبار العاملين في الخدمتين العسكرية والمدنية، يستهلك كميات هائلة من الوقود، تتسبب في زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتوفيرها، إضافة إلى الآليات والعربات العسكرية بينما يُترك المواطن يبحث عن بضع لترات في صفوف طويلة، ويدفع من جيبة سداد تكلفة الإنفاق الهائل.
▪️الآلة الح.ربية تستهلك الوقود بلا حساب، وتتسبب في رفع فاتورة وارداته، بينما تتوقف المصانع والمزارع وحركة النقل لعدم توفره أو لارتفاع أسعاره.
▪️ الصيانة والإصلاح في المؤسسات الحكومية تستهلك وقودًا وقطع غيار وزيوت يمكن توجيهها للإنتاج وتأهيل مؤسساته ومشاريعه، كخطوات عملية عوضًا عن الحديث المكرور والاستهلاكي عن الإنتاج وزيادة الصادرات.
هذه الأسباب لم تُذكر. ولم تُناقش. ولم تُعالج.
6. ما لم يُقل: في كل ما طرحته السلطة من (معالجات)، لم نسمع عن:
▪️ خفض الإنفاق الحكومي، لا ذكر لتقليص النفقات غير الضرورية.
▪️ مكافحة الفساد، لا إشارة إلى محاسبة الفاسدين، أو استرداد الأموال المنهوبة.
▪️ تقليل النثريات، لا حديث عن الحوافز والمخصصات والسفريات الخارجية ووقف شراء مقار للسفارات في الخارج بملايين الدولارات.
▪️ وقف الح.رب، لا اعتراف بأن الح.رب هي السبب الأول للانهيار. وأنها السبب المباشر في فشل المعالجات السابقة.
▪️بدلاً من ذلك، يُطرح الحل، في المزيد من الضرائب، والمزيد من الرسوم، والمزيد من الاقتراض. والمذيد من التحييش، وكأن المواطن هو المسؤول عن الأزمة، لا السلطة التي تسببت فيها.
7. الح.رب كبنية اقتصادية: والأخطر من كل ذلك أن الح.رب لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أصبحت بنية اقتصادية لها شبكات مصالحها ومنتفعيها. كل يوم ح.رب هو يوم ربح لشبكة من التجار والوسطاء والشركات والسماسرة والمضاربين، أغلبهم داخل أجهزة السلطة المدنية والعسكرية والأمنية والمليشيات المتعددة. هؤلاء لا يريدون السلام، لأن السلام يعني عودة السوق المنظمة، وسيادة القانون وفقدان الامتيازات .
8. الحل ليس في (حلول تقنية) ولا في الركون ل(مؤامرات خارجية) ولا في رسوم وضرائب جديدة، الحل في الحل الذي يستند علي إرادة شعبية تفرض:
▪️ وقف الح.رب فورًا، لأنها السبب الأول، وليس مجرد عامل ثانوي.
▪️خفض الإنفاق الحكومي، لا توسيعه على حساب مصالح الناس وتقديم الخدمات الضرورية لهم.
▪️ تفكيك التمكين والرأسمالية المرتبطة به، لا في إعادة التمكين ومكافأة قواه وتعويضها.
▪️مكافحة الفساد والمحسوبية، لا التغاضي عنها.
▪️ الشفافية الكاملة في المالية العامة، بتنفيذ مفهوم الخزانة الواحدة والإعلان عن مرتبات ومخصصات المستوزرين وكبار المسؤولين في الخدمتين، العسكرية والمدنية.
▪️ إعادة بناء السوق الوطني بتأمين الطرق والمعابر، وإلغاء رسوم وارتكازات العبور، ودعم الإنتاج.
▪️ إلغاء منشوري بنك السودان، الأول الخاص بحصر شراء الذهب في البنك المركزي كمقدمة لسيطرة الدولة على الموارد وحشدها، والثاني بعودة ممارسة البنك المركزي إحدى أهم سلطاته، بالتحكم والسيطرة على سعر الصرف.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.