أ. ماجد الغوث
لم تكن علاقة حزب البعث العربي الاشتراكي بالديمقراطية علاقة بسيطة يمكن اختزالها في مقاعد حصل عليها هنا أو انتخابات خاضها هناك. فمنذ بداياته الأولى حمل الحزب تصوراً يقوم على تحرير الإنسان العربي وإعادة بناء المجتمع والدولة، وارتبط خطابه بمفاهيم الحرية وسيادة الشعب والنظام النيابي، لكنه في الوقت نفسه نشأ بوصفه حركة ثورية رأت أن تغيير الواقع لا يمكن أن يتم دائماً عبر الإصلاح التدريجي وحده.
ومن هنا نشأت المفارقة التي ترافق قراءة التجربة البعثية حتى اليوم: كيف يمكن لحركة ثورية أن تتعامل مع الصندوق الانتخابي؟ وهل تكون الانتخابات غاية في ذاتها، أم وسيلة لبناء الوعي والتنظيم والشرعية، أم محطة من محطات الصراع على السلطة؟
عندما ننتقل من قطر عربي إلى آخر، لا نجد تجربة واحدة، بل مسارات متعددة. ففي سوريا تحولت المشاركة البرلمانية المبكرة إلى بوابة للحضور السياسي قبل أن ينتقل الحزب إلى السلطة، وفي العراق أصبح البرلمان جزءاً من دولة يقودها الحزب، بينما قدم السودان نموذجاً مختلفاً في استخدام الانتخابات مجالاً للتواصل الجماهيري رغم محدودية الحصيلة العددية. وفي لبنان امتزج العمل النيابي بالبلدي والتحالفات، وفي اليمن والأردن ظهرت تجارب انتخابية محدودة لكنها ذات دلالة تاريخية، في حين بقيت تجارب أخرى محكومة بالحظر أو ضعف التنظيم أو محدودية الحضور الانتخابي.
ومن هنا تبرز قضية أساسية لا يمكن تجاوزها عند قراءة التجارب السياسية والبرلمانية لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهي مسألة الجمع بين (الثورية والديمقراطية)، فالثورية في التصور البعثي لم تكن، بالضرورة، نقيضاً للمشاركة الشعبية أو للحياة الديمقراطية، وإنما ارتبطت بفكرة تغيير الواقع وإعادة بناء المجتمع والدولة، بينما ظلت الديمقراطية إحدى الساحات التي يمكن أن تمارس فيها الجماهير دورها في صناعة الحياة السياسية. ولم تبقِ هذه الفكرة، في حدود التجربة البعثية، مجرد تصور نظري؛ إذ أظهرت الممارسة السياسية منذ خمسينيات القرن العشرين أشكالاً متعددة من المشاركة في الانتخابات والبرلمانات والعمل الجماهيري، وإن اختلفت نتائجها وحدودها من قطر عربي إلى آخر. وفي مرحلة لاحقة، انتقلت هذه الخبرة المتراكمة من مستوى الممارسة السياسية إلى مستوى الصياغة الفكرية والسياسية الأكثر وضوحاً، ولا سيما في مقررات المؤتمر القومي الثالث عشر، الذي عكس في رؤيته السياسية محاولة تأطير العلاقة بين الثورة والديمقراطية، وبين دور الطليعة الحزبية ودور الجماهير، باعتبارها علاقة تكامل لا مجرد تعارض.
لذلك لا تسعى هذه القراءة إلى ترتيب التجارب البعثية من حيث النجاح والفشل بقدر ما تحاول فهم تنوع علاقتها بالديمقراطية والمؤسسة التشريعية، والبحث في السؤال الأعمق: ماذا يعني أن يدخل حزب ثوري إلى الانتخابات؟ وهل يمكن أن يتحول الصندوق من مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة إلى مدرسة للمواطنة والتعددية والتداول السلمي عليها؟ وهل كانت المشاركة البرلمانية في تجربة البعث غاية ديمقراطية، أم وسيلة لبناء التنظيم والجماهير، أم أن العلاقة بين الاثنين ظلت متوترة بسبب الطبيعة الثورية للحزب؟
في سوريا، كانت المشاركة البرلمانية في الخمسينيات إحدى الساحات المهمة التي وسّع من خلالها حزب البعث حضوره السياسي والجماهيري. وبعد سقوط نظام أديب الشيشكلي وعودة الحياة السياسية، خاض الحزب انتخابات عام 1954، وحقق حضوراً ملحوظاً في البرلمان، فيما انتُخب صلاح الدين البيطار نائباً عن دمشق، وأصبح أكـرم الحوراني، بعد اندماج حزبه العربي الاشتراكي مع البعث، أحد أبرز الوجوه البرلمانية والسياسية للحركة. وتختلف المصادر في عدد المقاعد التي احتسبت للبعث في تلك الانتخابات، وهو اختلاف يرتبط جزئياً بطريقة تصنيف المرشحين والدوائر السياسية المرتبطة بالحزب، لكن الثابت أن الحزب أصبح قوة سياسية وبرلمانية مؤثرة في سورية خلال تلك المرحلة.
غير أن المسار السوري يكشف منذ البداية الفرق بين الحضور البرلماني والوصول إلى السلطة؛ فلم يصل البعث إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، وإنما عبر ثورة 8 آذار/مارس 1963 الذي قادته اللجنة العسكرية البعثية، قبل أن تتطور داخل الحزب والدولة صراعات عميقة انتهت لاحقاً إلى انقلاب داخلي عام 1966 أزاح القيادة المؤسسة للحزب، ثم إلى التحول الكبير الذي قاده حافظ الأسد عام 1970.
ومن هنا تكمن أهمية التجربة السورية في أنها تمثل إحدى أوضح الحالات التي انتقل فيها البعث من العمل البرلماني والتنافس السياسي إلى ممارسة السلطة خارج الصندوق الانتخابي. ولذلك لا يمكن اعتبار البرلمان في الخمسينيات بوابة مباشرة إلى (الدولة البعثية)، وإنما كان إحدى ساحات بناء الحضور السياسي قبل أن تتغير طبيعة علاقة الحزب بالدولة جذرياً بعد 1963.
في العراق حيث ارتبطت المشاركة في إطار الجبهة الوطنية القومية التقدمية التي كانت في جوهرها محاولة لتوسيع الائتلاف الداعم للحكم الوطني ، كانت هناك مؤسسة تشريعية وانتخابات، لكن ضمن نظام سياسي لحزب قائد ، ولم يكن مماثلاً لنموذج التعددية البرلمانية التنافسية ، ذلك لأن شبح الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة حلّق فوق البلاد منذ مطلع الثمانينيات ليستنزف كل الطاقات الوطنية ويحول الأولويات من تعزيز الديمقراطية إلى البقاء الوجودي في مواجهة ، الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من استقطاب إقليمي حاد ، ثم جاء جدار الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته العقوبات الدولية في أعقاب احداث 1990 ليخنق مفاصل الحياة المدنية ويجفف منابع التنمية ويشل أي محاولة جادة لتطوير الأداء السياسي أو إصلاح البنى التشريعية، وبعد ذلك اندلعت عاصفة حرب الثلاثين دولة بقيادة أمريكا وغزو العراق واسقاط حكمه الوطني، والتي قصفت ما تبقى من مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والإدارية، قبل أن ينتهي المشهد العراقي المأساوي باحتلال بغداد في عام 2003 الذي طمر بعنف جذوة العمل الديمقراطي الناشئة التي كانت في بداياتها المتعثرة، وأطفأ شعلة التمثيل الشعبي التي كانت تحتاج إلى زمن طويل وبيئة مستقرة لتتجذر في تربة المجتمع العراقي المتنوع.
أما تجربة السودان كاستثناء منهجي فريد يستحق التوقف عند كل جزئية من جزئياته، إذ ينبغي على الباحث أن ينظر إلى خوض حزب البعث العربي الاشتراكي لانتخابات عام 1986 بعين المغايرة الكاملة للمعايير التقليدية التي تقيس النجاح بعدد المقاعد المحصودة أو حجم الكتلة البرلمانية، إذا كان معيار النجاح هو التمثيل البرلماني، فإن تجربة البعث في السودان لم تحقق اختراقاً انتخابياً كبيراً؛ أما إذا كان المعيار هو الانتشار السياسي والتواصل الجماهيري، فإن المشاركة الانتخابية يمكن قراءتها من زاوية مختلفة.فالحزب في تلك المحطة التاريخية النادرة، كانت انتخابات 1986 إحدى أهم محطات العودة إلى التعددية السياسية في السودان، وجاءت بعد سقوط نظام جعفر نميري عام 1985، لم يخض السباق الانتخابي بدافع تنافسي ضيق أو رغبة في اقتناص الكراسي، بل اتخذ من تلك المشاركة مشروعاً متكاملاً للتمدد الأفقي والالتحام المباشر بجماهير الشعب السوداني العريضة في قرى النيل الخصبة والأرياف المترامية والأحياء الشعبية الكثيفة، حيث نزل المناضلون البعثيون إلى الأسواق والساحات والندوات ليشرحوا برنامجهم السياسي والأيديولوجي بأسلوب مبسط وقريب من وعي المواطن البسيط، محولين المنصة الانتخابية إلى مدرسة متجولة تشرح مضامين القومية العربية والعدالة الاجتماعية وتفند أوهام التخلف، وكان الهدف الأسمى من وراء كل ذلك هو تعريف الناخبين السودانيين، الذين ظلوا لعقود أسرى الولاءات القبلية والطرق الصوفية، بمضامين فكرية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والدولة المدنية الحديثة، مع تثبيت قناعة لا تتزعزع لدى كل مناضل وكل مواطن بأن العمل السياسي الديمقراطي النزيه، مهما كانت هشاشته الأولية ومهما ضاقت دائرة حريته، يبقى السبيل الأوحد والآمن لتغيير الواقع المتردي الخانق، بعيداً عن مغامرات الانقلابات العسكرية التي هزت استقرار السودان لعقود وأغرقت البلاد في أنظمة استبدادية متعاقبة، وهكذا جعل حزب البعث من تلك الانتخابات أداة تعبوية وتثقيفية بالدرجة الأولى، لترسيخ وعي راسخ بأن الصندوق الانتخابي لا يقل أهمية عن السلاح في معركة التغيير المجتمعي العميق، وأن الديمقراطية ليست ترفاً أكاديمياً يُمارس في الصالونات بل ضرورة تنظيمية وحياتية لربط الحزب بقاعدة جماهيرية حقيقية قادرة على حمله في المحطات القادمة وتحصينه من الانعزالية النخبوية، ولعل هذا الفهم الناضج هو الذي منح التجربة السودانية ذلك العمق الاستثنائي الذي يفتقده الكثير من التجارب الأخرى، حيث ظل الحزب ممسكاً بجذوة الإيمان بالسياسة كفعل توعوي ورسالي قبل أن تكون صراعاً محكوماً بالمغانم والمكاسب العابرة، في تناقض حاد مع ما جرى في سوريا حيث ارتبطت الديمقراطية بالسلطة لا بالتوعية، ومع ما حل بالعراق حيث سحقتها الحروب قبل أن تولد.
أما في لبنان، فتقدم تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي مساراً مختلفاً عن النموذج الذي يمكن اختزاله في المشاركة البلدية أو العمل الخدماتي المحلي؛ فقد عرف الحزب حضوراً في الحياة النيابية اللبنانية عبر مراحل مختلفة، وتظهر نتائج الانتخابات حضوراً نيابياً مرتبطاً بالحزب أو بمرشحيه وتحالفاته وإن ظل هذا الحضور محدوداً من حيث الحجم ومتأثراً بطبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والتحالفات الانتخابية والسياسية. وتكشف نتائج الانتخابات المتعاقبة عن حضور بعثي متفاوت، تراوح بين مقعدين في انتخابات 1992، ومقعدين في 1996، وثلاثة مقاعد في 2000، ومقعد واحد في 2005، ومقعدين في 2009، ثم حضور بمقعد في 2018 ومقعد في 2022، بما يؤكد أن التجربة اللبنانية لم تكن هامشية على المستوى النيابي، وإن لم تتحول إلى كتلة سياسية كبيرة أو قوة مقررة بصورة مستقلة في الحياة التشريعية.
وفي الوقت نفسه، لم يقتصر النشاط البعثي على البرلمان، بل امتد إلى الانتخابات البلدية والمحلية، حيث شارك ناشطون ومرشحون محسوبون على الحزب في عدد من البلدات والمناطق، مستفيدين من طبيعة السياسة اللبنانية التي تتداخل فيها المستويات النيابية والبلدية والعائلية والتحالفية. ولذلك تبدو التجربة اللبنانية أقرب إلى (نموذج متعدد المستويات)، جمع بين الحضور النيابي، والعمل البلدي، والتحالفات السياسية، والارتباط بالشخصيات والقوى المحلية، أكثر من كونها تجربة انتخابية ذات مسار تنظيمي واحد. وتكمن أهميتها في أنها تكشف قدرة التنظيم البعثي على التكيف مع بيئة سياسية شديدة التعقيد، لا تقوم المنافسة فيها على البرامج الحزبية وحدها، وإنما تتداخل فيها الاعتبارات الطائفية والمناطقية والعائلية والتحالفات العابرة للأحزاب.
ومن هذه الزاوية، تختلف الحالة اللبنانية عن التجربة السودانية في طبيعة الوظيفة التي أدتها المشاركة السياسية؛ فإذا كان بالإمكان قراءة الانتخابات السودانية لعام 1986 بوصفها مجالاً مهماً للتواصل الجماهيري وبناء الحضور التنظيمي، فإن التجربة اللبنانية تكشف بصورة أوضح أهمية (التحالف السياسي والتمثيل النيابي والعمل المحلي) في بناء الحضور الحزبي داخل نظام سياسي شديد التعدد والتشابك. ومن ثم، فإن المقارنة بين التجربتين لا ينبغي أن تقوم على سؤال: أيهما أكثر نجاحاً؟ بل على سؤال أكثر دقة: كيف أعاد كل تنظيم توظيف أدوات الانتخابات وفق طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية التي عمل داخلها؟
أما في اليمن، فتقدم تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي نموذجاً مختلفاً نسبياً، إذ استطاع التنظيم أن يحجز لنفسه حضوراً في مجلس النواب عبر أكثر من دورة انتخابية، وإن ظل هذا الحضور محدوداً قياساً إلى القوى السياسية الأكبر. تتراوح البيانات المنشورة بشأن انتخابات 1993 بين ستة وسبعة مقاعد بحسب طريقة تصنيف القوى والمرشحين، بينما يسجل الاتحاد البرلماني الدولي ستة مقاعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، ثم تراجع حضوره إلى مقعدين في انتخابات 1997، وحافظ على مقعدين في انتخابات 2003. وتكشف هذه النتائج عن قدرة التنظيم على تحويل وجوده السياسي إلى تمثيل برلماني فعلي، وإن لم يرتقِ ذلك إلى مستوى تشكيل كتلة مؤثرة في موازين القوى الوطنية.
وتكتسب التجربة اليمنية أهميتها من كونها جرت في بيئة حزبية تنافسية اتسمت بتعدد القوى والتيارات، الأمر الذي جعل وصول البعثيين إلى البرلمان دليلاً على امتلاكهم قدرة انتخابية وتنظيمية، وإن كانت محدودة. ومن ثم، لا يصح اختزال التجربة في عدد المقاعد وحده، كما لا يصح في المقابل تضخيم أثرها؛ فهي تمثل نموذجاً لحضور بعثي انتخابي مستمر نسبياً داخل نظام تعددي واسع، دون أن يتحول إلى قوة برلمانية كبيرة أو طرف رئيسي في صناعة القرار.
وفي الأردن، تعود أهمية التجربة البعثية إلى وقت مبكر من تاريخ الحياة النيابية في البلاد؛ ففي انتخابات عام 1951 تمكن ثلاثة من المرشحين المرتبطين بالبعث من الوصول إلى البرلمان، رغم أن الحزب لم يكن يعمل آنذاك بوصفه حزباً مرخصاً بصورة رسمية، الأمر الذي دفع مرشحيه إلى خوض الانتخابات بصفات مستقلة. وتكشف هذه الواقعة عن مفارقة مهمة في العلاقة بين التنظيم الحزبي والمشاركة الانتخابية، إذ يمكن لتيار سياسي أن يحول حضوره الفكري والتنظيمي إلى تمثيل نيابي حتى في ظل عدم الترخيص القانوني للحزب آنذاك.
كما ارتبط اسم عبد الله الريماوي بالحضور البعثي في الحياة النيابية الأردنية خلال تلك المرحلة، بما يعكس أن المشاركة الانتخابية لم تكن بالنسبة إلى التنظيم مجرد نشاط عابر، وإنما إحدى ساحات العمل السياسي التي سعى من خلالها إلى التعبير عن مشروعه القومي والاجتماعي. غير أن هذا الحضور المبكر لم يتحول إلى مسار نيابي بعثي مستقر ومتصاعد، بفعل التحولات السياسية والقانونية التي شهدها الأردن والمنطقة، وتغير طبيعة الحياة الحزبية خلال العقود اللاحقة. ومن ثم، فإن التجربة الأردنية تقدم نموذجاً مهماً على أن القيود القانونية لا تعني بالضرورة غياب التأثير السياسي، كما أن الفوز الانتخابي المبكر لا يعني بالضرورة القدرة على تحويل ذلك الحضور إلى نفوذ مؤسسي طويل الأمد. ولذلك تبدو الحالة الأردنية أقرب إلى تجربة حضور سياسي مبكر ومؤثر في لحظته التاريخية، أكثر منها تجربة برلمانية بعثية مستمرة.
وفي الجزائر بقي التنظيم البعثي خارج المنافسة البرلمانية الفاعلة، وتعرض للقمع والحظر، وهو ما حال دون تحوله إلى حزب انتخابي ذي حضور مؤسسي، اتخذ مسار العمل البعثي منحى مختلفاً؛ إذ حالت القيود السياسية والقانونية والظروف التي أحاطت بالنشاط الحزبي دون تحول التنظيم البعثي إلى قوة انتخابية قادرة على بناء حضور برلماني مستقر. ولذلك بقي حضوره خارج المنافسة البرلمانية الفاعلة، واجه التنظيم قيوداً سياسية وقانونية حدّت من قدرته على تطوير نشاط حزبي علني ومستدام، الأمر الذي حد من قدرته على تطوير نشاط حزبي علني ومستدام. وتكشف الحالة الجزائرية، بذلك، عن الوجه الآخر للعلاقة بين الحزب والديمقراطية، فالمشاركة الانتخابية لا تعتمد على استعداد التنظيم لخوض الانتخابات وحده، وإنما تحتاج أيضاً إلى بيئة قانونية وسياسية تسمح بالتنظيم والتنافس والوصول إلى الناخبين. وعندما تغيب هذه الشروط، يصبح قياس الحضور الديمقراطي بعدد المقاعد أمراً مضللاً، لأن غياب التمثيل قد يكون نتيجة للحظر والقيود أكثر مما يكون تعبيراً عن ضعف القاعدة الاجتماعية.
أما تونس، فقد أتاح التحول السياسي الذي أعقب ثورة 2011 للتيارات القومية والبعثية التي كانت تعمل في ظروف غير قانونية أو شبه علنية فرصة إعادة تنظيم نفسها والانخراط في المجال الحزبي المفتوح. وفي هذا السياق برز حزب الطليعة العربي الديمقراطي بوصفه أحد التعبيرات السياسية ذات المرجعية البعثية، وسعى إلى المشاركة في الحياة العامة والانتخابات ضمن بيئة سياسية جديدة اتسمت بتعدد الأحزاب والتيارات. وقد شارك الحزب في أطر وتحالفات انتخابية، إلا أن حضوره الانتخابي لم يتحول إلى اختراق برلماني مستقل يوازي حضور القوى السياسية الأكبر، وهو ما يعكس الصعوبة التي واجهتها التيارات البعثية والقومية في الانتقال من مرحلة العمل السياسي المقيد إلى بناء قاعدة انتخابية واسعة داخل نظام حزبي مفتوح. ومن هنا فإن التجربة التونسية لا ينبغي قياسها فقط بعدد المقاعد، وإنما بما كشفته من تحدي الانتقال من التنظيم الأيديولوجي إلى الحزب الانتخابي القادر على المنافسة داخل مجتمع سياسي متعدد.
أما المغرب، فتبدو الصورة أكثر التباساً، إذ لا تتوافر في حدود المصادر التي يمكن الاستناد إليها بسهولة معطيات كافية تسمح بتحديد حجم الحضور البعثي وتنظيمه الانتخابي وتمثيله البرلماني بصورة دقيقة. ولذلك فإن إدراج المغرب في مقارنة كمية مع اليمن أو الأردن أو لبنان أو السودان يحتاج إلى توثيق أكثر تفصيلاً للمسار التنظيمي والانتخابي للحزب. ومن المنهجية ألا يتحول نقص المعلومات إلى حكم على التجربة نفسها؛ فـغياب البيانات لا يساوي غياب النشاط السياسي. ولهذا يمكن الاكتفاء بالقول إن التجربة المغربية لم تُنتج، وفق المعطيات المتاحة، حضوراً برلمانياً بعثياً بارزاً يمكن مقارنته بالتجارب التي امتلكت تمثيلاً انتخابياً موثقاً، مع ترك الباب مفتوحاً أمام دراسة أكثر تخصصاً لتاريخ التنظيم ونشاطه السياسي في المغرب
أما في مصر، فتبدو التجربة البعثية أكثر تعقيداً من أن تختزل في حضور برلماني مباشر؛ فقد نشطت التيارات البعثية في بيئة سياسية اتسمت، منذ عهد جمال عبد الناصر، بضعف التعددية الحزبية وهيمنة الاتحاد الاشتراكي العربي بوصفه الإطار السياسي الرسمي الوحيد، ثم شهدت في عهد أنور السادات انتقالاً تدريجياً نحو التعددية الحزبية المحدودة. وكانت انتخابات عام 1976 محطة انتقالية مهمة في هذا المسار، إذ جرت المنافسة آنذاك بين ثلاث منصات/تيارات سياسية داخل إطار الاتحاد الاشتراكي العربي نفسه، قبل أن تبدأ التعددية الحزبية بصورتها الأوضح مع انتخابات 1979.
وفي ظل هذه البيئة لم يتمكن التنظيم البعثي المصري من بناء حضور برلماني مستقل ومستقر يمكن مقارنته بالتجارب البعثية في سوريا أو الأردن أو اليمن. كما أن العمل السياسي البعثي ظل محكوماً بدرجات متفاوتة من القيود القانونية والسياسية، الأمر الذي دفع النشاط البعثي في مصر إلى التركيز بدرجة أكبر على العمل الفكري والتنظيمي والنشاط السياسي غير المباشر، بدلاً من التحول إلى قوة انتخابية ذات تمثيل برلماني واضح.
ومن المهم هنا التمييز بين وجود الفكر البعثي وانتشار بعض أفكاره بين النخب السياسية والثقافية، وبين وجود حزب بعثي قادر على خوض الانتخابات بصورة تنظيمية علنية وتحقيق تمثيل نيابي مستقر. فالأول لا يؤدي بالضرورة إلى الثاني، خصوصاً في بيئة سياسية لم تكن تسمح تاريخياً بسهولة بتكوين أحزاب مستقلة ذات مرجعيات أيديولوجية متباينة. ومن ثم، فإن الحالة المصرية لا تقدم نموذجاً لنجاح أو فشل انتخابي بالمعنى المباشر، بقدر ما تكشف عن حدود انتقال الفكرة البعثية إلى مؤسسة حزبية انتخابية مستقلة. وهي بذلك تختلف عن الأردن واليمن، حيث تمكنت تنظيمات بعثية من تحويل حضورها السياسي إلى تمثيل نيابي، كما تختلف عن السودان الذي أتاحت له عودة التعددية عام 1986 مجالاً أوسع لخوض المنافسة الانتخابية بصورة علنية.
وتظل أهمية التجربة المصرية في هذا السياق مرتبطة بالسؤال الأوسع الذي يطرح نفسه في قراءة العمل البعثي العربي: هل يكفي انتشار الفكرة في المجال الثقافي والسياسي لكي يتحول إلى قوة انتخابية؟ أم أن التحول من الفكرة إلى الحزب الانتخابي يحتاج إلى بيئة قانونية وتعددية تسمح بالتنظيم العلني، وبناء القواعد الجماهيرية، والمنافسة على أصوات الناخبين؟ وتقدم مصر مثالاً واضحاً على أن قوة الفكرة لا تعني بالضرورة امتلاك أدوات التمثيل المؤسسي.
. أما في موريتانيا، فتقدم التجربة البعثية مساراً مختلفاً يستحق التوقف عنده، لأنها تكشف بوضوح العلاقة بين العمل التنظيمي السري ومحاولة الانتقال إلى المجال السياسي العلني. فقد بدأت الأنشطة البعثية في موريتانيا منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، ثم أخذ النشاط التنظيمي يتبلور خلال سبعينيات القرن نفسه، في ظل بيئة سياسية لم تكن تسمح بسهولة بعمل حزبي بعثي علني. وتعرض التنظيم خلال مراحل مختلفة للملاحقة والاعتقال والقيود السياسية، الأمر الذي جعل جزءاً مهماً من نشاطه يجري خارج الأطر القانونية الرسمية.
ومع التحول السياسي الذي شهدته موريتانيا في بداية التسعينيات، وقيام نظام تعددي جديد في أعقاب إقرار دستور 1991، ظهرت فرصة لاختبار قدرة التيار البعثي على الانتقال من التنظيم المغلق إلى المنافسة السياسية العلنية. وفي هذا السياق ظهر حزب الطليعة الوطني بوصفه امتداداً للتنظيم البعثي، وكان حزب الطليعة الوطني من الأحزاب المدرجة ضمن قائمة الأحزاب المعترف بها في بداية مرحلة التعددية، قبل أن تتغير أوضاعه القانونية والسياسية لاحقاً. وتشير الدراسات التي تناولت الحياة الحزبية الموريتانية في تلك المرحلة إلى أن الحزب شارك في الانتخابات التشريعية لعام 1992، كما كان من الأحزاب التي قدمت مرشحين لانتخابات مجلس الشيوخ، لكنه لم يتمكن من الحصول على مقعد برلماني، وحصل على نحو واحد في المائة من الأصوات على المستوى الوطني.
ولا ينبغي، مع ذلك، قراءة هذه النتيجة باعتبارها دليلاً وحيداً على ضعف التجربة؛ فالانتقال من العمل السري إلى المنافسة الانتخابية يمثل في ذاته تحولاً نوعياً في طبيعة العمل السياسي. فقد أصبح على التنظيم أن يواجه الناخب مباشرة، وأن يحول خطابه القومي والاجتماعي إلى برنامج قابل للتداول داخل مجتمع متعدد الانتماءات والتيارات، وأن يبني شبكة انتخابية قادرة على المنافسة في ظل وجود أحزاب وقوى سياسية أخرى.
لكن الحصيلة الانتخابية المحدودة كشفت في الوقت نفسه عن الفارق بين امتلاك حضور تنظيمي أو فكري وبين امتلاك قاعدة انتخابية قادرة على تحويل ذلك الحضور إلى تمثيل مؤسسي. وهذا الفارق مهم في قراءة التجربة الموريتانية، لأنه يضعها في منطقة وسطى بين التجارب التي استطاع فيها البعث الوصول إلى البرلمان، مثل اليمن والأردن ولبنان، والتجارب التي حالت فيها القيود القانونية والسياسية دون بناء حضور انتخابي مستقر.
ومن هذه الزاوية، تمثل موريتانيا حالة ذات دلالة خاصة في مسار العمل البعثي العربي؛ فهي لا تقدم نموذجاً للنجاح البرلماني الكبير، لكنها تقدم نموذجاً مهماً لـاختبار الانتقال من التنظيم العقائدي إلى الحزب الانتخابي. ولذلك فإن قيمتها في المقارنة لا تكمن في عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب، وإنما في السؤال الذي تطرحه: هل يستطيع تنظيم نشأ في ظروف السرية والملاحقة أن يعيد بناء نفسه عندما تُفتح أمامه أبواب المنافسة السياسية، وأن يحول امتداده الفكري والتنظيمي إلى قوة انتخابية مستقرة؟
وهكذا تكشف المقارنة بين التجارب البعثية في سوريا والعراق والسودان ولبنان واليمن والأردن ومصر وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، أن العمل السياسي والبرلماني للبعث لم يتخذ مساراً واحداً في الأقطار العربية. ففي سوريا ظهر حضور برلماني مبكر قبل انتقال الحزب إلى السلطة، وفي العراق وُجد البرلمان والانتخابات داخل دولة يقودها الحزب، بينما قدم السودان حالة مختلفة من حيث خوض المنافسة الانتخابية من موقع المعارضة ومحدودية الحصيلة البرلمانية. وفي لبنان امتزج الحضور النيابي بالتحالفات والعمل المحلي، بينما أظهر اليمن والأردن صوراً مختلفة من التمثيل البرلماني المحدود، في حين كشفت مصر وتونس عن أثر البيئة القانونية والسياسية في تحديد قدرة التيارات البعثية على التحول إلى قوى انتخابية مستقلة. أما الجزائر فتمثل حالة ارتبط فيها ضعف الحضور الانتخابي بالقيود السياسية والقانونية، بينما تظل الحالة المغربية بحاجة إلى مزيد من التوثيق قبل إصدار حكم نهائي عليها، وتكشف موريتانيا عن محاولة الانتقال من العمل التنظيمي المقيد إلى المنافسة الحزبية العلنية.
وبذلك لا تبدو المسألة مجرد تفاوت بين تجارب ناجحة وأخرى فاشلة، بل تكشف عن علاقة مركبة بين التنظيم والبيئة السياسية والقانون الانتخابي وطبيعة المجتمع والتحالفات المتاحة. ومن هنا تصبح قيمة المقارنة في فهم كيف يتغير أداء التنظيم السياسي عندما ينتقل من بيئة مغلقة إلى بيئة تنافسية، أو من العمل السري إلى العلني، أو من المشاركة من موقع المعارضة إلى ممارسة السلطة، أو من المنافسة الفردية إلى العمل الحزبي المنظم.
وفي هذا السياق يمكن قراءة التجربة السودانية بصورة أكثر دقة؛ ليس باعتبارها النموذج الوحيد أو (الأعظم)، في التجارب البعثية، وإنما باعتبارها حالة ذات خصوصية واضحة في استخدام الاستحقاق الانتخابي بوصفه مجالاً للتواصل الجماهيري وبناء الحضور التنظيمي، حتى مع محدودية العائد البرلماني المباشر. وهنا تحديداً تبرز أهمية التمييز بين النجاح الانتخابي، والنجاح التنظيمي، والنجاح الجماهيري، والقدرة على التأثير في مؤسسات الدولة؛ فهذه مؤشرات مختلفة، وقد تجتمع في تجربة واحدة أو تتباعد في تجارب أخرى.
الخاتمة: تكشف المقارنة بين التجارب البعثية في الأقطار العربية أن العلاقة بين البعث والديمقراطية لم تكن مساراً واحداً ولا تجربة متجانسة. فقد بدأ الحزب، في خطابه وفكره المبكر، من مفاهيم تتصل بسيادة الشعب والنظام النيابي والحرية، لكنه حمل في الوقت نفسه تصوراً ثورياً يرى أن تغيير الواقع العربي يتطلب تجاوز الإصلاحات الجزئية والانخراط في مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع. ومن هنا ظلت العلاقة بين (الصندوق) و(الثورة)، واحدة من أكثر القضايا إشكالاً في التجربة البعثية.
ففي سوريا كانت المشاركة البرلمانية في الخمسينيات وسيلة مهمة لبناء الحضور السياسي، قبل أن ينتقل الحزب بعد 1963 إلى موقع السلطة، فتغيّرت طبيعة علاقته بالمؤسسة التشريعية والتعددية السياسية. وفي العراق اتخذ البرلمان موقعاً مختلفاً داخل دولة يقودها البعث، فلم تعد المسألة مجرد منافسة انتخابية بين أحزاب متكافئة. أما لبنان فقد قدم نموذجاً يجمع بين الحضور النيابي والعمل البلدي والتحالفات السياسية، بينما أظهر اليمن إمكانية استمرار التمثيل الانتخابي المحدود لحزب بعثي صغير داخل نظام تعددي. وفي الأردن برز الحضور البعثي مبكراً رغم الظروف القانونية والسياسية التي أحاطت بالحزب. وفي موريتانيا تكشف أن فتح باب الانتخابات لا يكفي لصناعة النفوذ؛ فالتحدي الحقيقي يبدأ عندما يصبح على التنظيم أن يحوّل الفكرة إلى جمهور، والجمهور إلى أصوات، والأصوات إلى تمثيل.
وتبقى التجربة السودانية ذات دلالة خاصة من زاوية أخرى؛ فقد أظهرت انتخابات 1986 أن الحزب يستطيع استخدام الاستحقاق الانتخابي بوصفه مجالاً للاتصال بالجماهير والتعريف ببرنامجه، حتى وإن لم يتحول ذلك إلى اختراق برلماني كبير. ومن هنا، فإن المقارنة بين التجارب البعثية لا ينبغي أن تُبنى على عدد المقاعد وحده؛ فالتمثيل البرلماني مؤشر مهم، لكنه لا يكفي لقياس الحضور التنظيمي أو الجماهيري، كما أن وجود البرلمان والانتخابات لا يكفي وحده لإثبات قيام ديمقراطية تعددية.
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجارب هو أن الديمقراطية لا تُقاس بمجرد دخول البرلمان، كما لا تُقاس بمجرد رفع شعارها. إنها تُختبر في علاقة التنظيم بالجماهير، وفي احترام التعددية، وفي القدرة على تحويل الاختلاف السياسي إلى تنافس سلمي، وفي قبول التداول المؤسسي للسلطة. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال الأعمق أمام التجربة البعثية ليس: كم مقعداً حصل عليه الحزب؟ بل: ماذا فعل بالصندوق حين دخله، وماذا فعل بالديمقراطية حين امتلك القدرة على التأثير فيها أو التحكم بمؤسسات الدولة؟
إن قراءة التجربة البعثية من هذه الزاوية لا تستهدف إصدار حكم واحد عليها، لا بالإدانة المطلقة ولا بالمدح المطلق، وإنما محاولة فهم التناقضات التي صنعت مساراتها المختلفة. فالانتخابات يمكن أن تكون مدرسة للجماهير، ويمكن أن تكون طريقاً إلى السلطة، ويمكن أن تتحول إلى مؤسسة شكلية إذا غابت التعددية الحقيقية. وبين هذه الاحتمالات جميعاً تتحدد قيمة التجربة، لا بالشعارات التي رفعتها، وإنما بقدرتها على جعل الشعب شريكاً فعلياً في صناعة القرار.
وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى التجارب البرلمانية التي عرفها الحزب منذ خمسينيات القرن العشرين بوصفها جزءاً من مسار عملي سابق على الصياغة النظرية المكتملة؛ فقد كشفت الممارسة، بتفاوتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، أن العمل الثوري والعمل الديمقراطي لم يكونا بالضرورة طريقين متناقضين، وإنما كان التحدي الحقيقي هو كيفية الجمع بين إرادة التغيير الجذري وبين حق الجماهير في المشاركة والاختيار والتأثير. ومن هذه الزاوية تكتسب مقررات المؤتمر القومي الثالث عشر أهمية خاصة، لأنها لم تبدأ من فراغ، وإنما جاءت لتمنح هذا التراكم العملي والسياسي صياغة فكرية وسياسية معلنة، فتضع (الجمع بين الثورية والديمقراطية)، في إطار رؤية سياسية تتجاوز الثنائية التقليدية بين الثورة والديمقراطية. ويبقى الاختبار الأهم، مع ذلك، في مدى قدرة هذه الرؤية على التحول من المبدأ والمقرر إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، لأن قيمة الفكرة السياسية لا تكتمل بإعلانها، وإنما بما تنتجه من مؤسسات وممارسات تجعل الجماهير شريكاً فعلياً في صناعة القرار.
وهنا ربما تكمن المسألة التي لم تحسمها التجارب العربية كلها بعد: هل تستطيع الحركة الثورية أن تتحول من قوة لتغيير النظام إلى قوة تقبل بقواعد التعددية وتداول السلطة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي، في النهاية، الاختبار الأكثر جدية لأي حديث عن الديمقراطية في التجربة البعثية.

Leave a Reply