د. محمد عبدالله
هناك قصائد تُقرأ، وأخرى تُسمع، وثمة قصائد تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة. وقصيدة “عم عبد الرحيم” للشاعر محمد الحسن سالم حميد، بصوت مصطفى سيد أحمد، من هذا النوع. لم تعد مجرد حكاية عن فلاح أنهكه الفقر وقضى تحت عجلات القطار، بل أصبحت صورة للسوداني البسيط الذي ظل يدفع ثمن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
يبدأ حميد من دعاء قريب من وجدان الناس: “فتّاح يا عليم.. رزّاق يا كريم..”
ثم يقدم عم عبد الرحيم كواحدٍ من عامة الناس؛ فلاحاً وعاملاً وأباً، يعيش على قدر يومه، ويتعامل مع الأرض والمطر والعمل باعتبارها تفاصيل الحياة. يقول: “عم عبد الرحيم كُت فلاح في يوم.. في أيدك تنوم.. على كيفك تقوم.. لا دفتر حضور.. لا حصة فطور.. تقرع بالقمر.. تزرع بالنجوم..”
ثم يأتي الزمن: “لكن الزمن دوّار… آ… بدوم”
فالزمن هنا ليس مجرد تعاقب للأيام، وإنما قوة تغيّر حياة الناس وتنتزع منهم أسباب الاستقرار. ولهذا تبدو القصيدة اليوم شديدة الراهنية. فالسوداني الذي ترك بيته بسبب الحرب، أو فقد أرضه ومصدر رزقه، أو أصبح نازحاً يبحث عن الماء والدواء والطعام، يجد شيئاً من حكايته في عم عبد الرحيم.
لكن القصيدة لا تتوقف عند الفقر، بل ترسم صورة لمجتمع يقوم على التكافل: “كل الناس هنا.. كل الناس صحاب كل الناس أهل”
وهي صورة نراها اليوم في المبادرات الشعبية، والتكايا والمطابخ الجماعية، وفتح البيوت للنازحين، وتقاسم الناس القليل الذي بقي لديهم. كأن السودانيين، وسط الخراب، يعيدون اكتشاف المعنى القديم: كل الناس صحاب، كل الناس أهل.
ثم تتسع القصيدة لتشمل العمال والمزارعين وأصحاب المهن الصغيرة، فتتحول إلى خريطة اجتماعية للسودان. والح الحرب لا تدمر البيوت وحدها؛ إنها تضرب مصادر الرزق، وتغلق الأسواق، وتعطل الزراعة والعمل، وتحول الفقر إلى مأساة جماعية.
وفي خلفية ذلك كله يقف السؤال السياسي: “حيكومات تجي.. وحيكومات تغور..”
تتغير الحكومات والشعارات، بينما يبقى الإنسان البسيط يدفع الثمن. وهنا تكمن قوة القصيدة؛ فهي لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، وإنما تضع السؤال في حياة رجل عادي: ماذا تغير في حياة الناس؟
ومع تصاعد الألم، يتحول عم عبد الرحيم من شخص إلى رمز. فالقرى التي أفرغتها الحرب، والبيوت التي هُجرت، والأسر التي تفرقت، والأطفال الذين كبروا في طرق النزوح، كلها تجد ظلالها في حكايته.
لهذا فإن “عم عبد الرحيم” ليست قصيدة عن الماضي وحده، وإنما قصيدة عن السودان الذي لم ينتهِ بعد.
ميزة حميد أنه لم يكتب تاريخ السودان بلغة المؤرخين، بل حفظ تفاصيل الناس: تعب العامل، وغبار الطريق، وشاي الصباح، وانتظار المطر، وحزن الأم، والرغبة في مواصلة الحياة.
ولهذا تبدو القصيدة، في جوهرها، مقاومة للنسيان؛ ترفض أن يتحول الفقير إلى رقم، والنازح إلى إحصائية، والق.تيل إلى خبر عابر.
واليوم، بعد سنوات طويلة من كتابتها، يبدو أن السودان كله قد دخل القصيدة.
هناك عم عبد الرحيم الذي فقد بيته، والذي نزح، والذي دفن ابنه، والذي عبر الحدود، وهناك من بقي في قريته يحرس ما تبقى.
كلهم يقولون للحياة: لا بد أن تستمر.
وربما حين يعود القطار ذات يوم، سنسمع من بعيد صوت مصطفى سيد أحمد، ونبحث بين الركاب عن رجل يحمل ملامح عم عبد الرحيم.
رجل أنهكه الزمن، لكنه لم يهزمه.
#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_س سالم_حميد #مصطفى_سيد_احمد #شعر_سوداني #أدب #ثقافة #السودان

Leave a Reply