فخري حسب الله
لمن تكون داير تطلع جواز، أو بطاقة شخصية، أو رقم وطني، أو تنجز أي معاملة حكومية، أظن أول حاجة بتفكر فيها انك تفتش على زول يسهّل ليك المهمه المعينه دي بدل الوقوف في الصف، مش كده؟
أعترف… الاجابه نعم غالباً، كلنا تقريباً بنحاول نعمل كده.
آخر مرة أنا حاولت فيها استخراج جواز كانت في 2021، وصادف أن قيل وقتها إنو ما في ورق جوازات. ومثل هذه الأزمات، في بلادنا، سرعان ما تتحول إلى فرصة للـ(تسهيلات) والكسرات، تطول الصفوف وتتصور أن نيل وثيقه أمنيه أو معجزه صعبة التحقق، لتحتاج الي شخص ممتاز لتستفيد من الامتياز في إنجاز المعاملة، وفي ذلك الشعور الخفي حين تتجاوز صفوف المواطنين العاديين، لأنك في صحبة شرطي، أو عسكري جيش، أو زول عنده نفوذ. في تلك اللحظة، هل فكرت في الذين ظلوا واقفين زمناً طويلاً في الصف؟
هل لاحظت نظراتهم؟
هل شعرت بأنك، من حيث تقصد أو لا تقصد، تقول لهم إن هناك مواطنين أكثر إمتيازا من مواطنين آخرين؟
الأمر لم يعد مجرد زول خدمني. لقد ترسخت عندنا، بالممارسة، قناعة بأن صاحب الزي الرسمي أو النفوذ لا يقف في الصف مع العامة. هم قالوا إنهم مهمون، ونحن قلنا: آمين. بل أصبحنا نصف من يخدمنا بأنه (خدوم)، ونعتبر الوصول إليه امتيازاً، بينما يصبح الوقوف في الصف علامة على قلة الحيلة.
وهنا تحدث المفارقه، بدلاً من أن نسأل: لماذا كسر هذا الشخص الصف؟ نسأل أنفسنا: ليه أنا ما عندي زول يكسر لي الصف؟ وهذه هي المشكلة الحقيقية.
فالصف في جوهره اتفاق بسيط بين غرباء هو أنني أحترم دورك، وأنت تحترم دوري. إنه صورة صغيرة جداً من صور المساواة.
وحين يأتي شخص ويتجاوز الجميع لأنه يعرف (زولاً) فنحن لا نخسر دورنا فقط، بل نتعلم درساً أخطر، أن النظام يمكن كسره، وأن احترامه ليس دائماً الطريق الأقصر للحصول على الفرصه او الحق.
وهنا تلتقي حكاية (الصف المكسور) مع نظرية الشباك المكسور.
الكسر الصغير لا يبقى صغيراً. فهو يبعث رسالة بأن القاعدة قابلة للكسر، ومع تكرار المشهد يتحول الاستثناء إلى عرف، والعرف إلى ثقافة.
فتصبح القاعدة أنك علي الدوام حين تحتاج جوازاً، ابحث عن زول واسطه. تحتاج معاملة؟ فتش عن زول. تحتاج خدمة؟ فتش عن زول داخل المصلحة.
والغريب أننا حين نعيش في مجتمعات أكثر انتظاماً، نقف في إشارات المرور، ونلتزم بالسرعة، وننتظر دورنا دون أن نشعر بأننا أقل من غيرنا. لأن البيئة هناك تقول لك بوضوح: احترم النظام، وسيحمي النظام حقك. أما حين يصبح (الظهير) أهم من الدور، والواسطة أهم من الاستحقاق، يبدأ الإحساس بأن الالتزام بالنظام عقوبة، وأن الانتظار سذاجة، وأن من لا يملك واسطة هو ببساطة زول ساي. ومن هنا لا يتآكل احترام الصف وحده، بل تتآكل معه قيم أكبر: المساواة، والثقة، والعدالة، والإحساس بالإنصاف.
لذلك فإن كسر الصف ليس مخالفة صغيرة كما يبدو. إنه أحد أشكال (النافذة المكسوره)، ونحن لا نحتاج فقط إلى أن نطالب الناس بالانضباط، بل نحتاج إلى بيئة تجعل السلوك الصحيح هو الأسهل والأكثر احتراماً. بيئة تجعل الوقوف في الصف دليلاً على المساومه بلا امتيازات سوي الكفاءه، لا على قلة الحيلة. فالمساواة لا تبدأ دائماً من القوانين الكبيرة، أحياناً تبدأ من شباك صغير…ومن صف بسيط…ومن مواطن يقف في مكانه، لأنه يعرف أن دوره سيأتي بتعريفه كمواطن مكتمل الحقوق، وأن حقه لا يحتاج إلى زول آخر يكسر به الصف.
#ملف_الهدف_الثقافي #فخري_حسب_الله #مقالات #ثقافة_سودانية #مُجتمع #إدارة_الأزمات

Leave a Reply