وهنا تكمن الخطورة.

صحيفة الهدف

ماجد الغوث 2/2

يمكن أن تبدأ العملية بتشجيع اختلافات محدودة، ثم تتحول الاختلافات إلى تيارات، ثم تصبح التيارات كيانات، ثم يجري جمع أن بعضها في تحالف سياسي جديد، وفي النهاية يظهر جسم يقول إنه يمثل «صوت المقاومة».

وبهذه الطريقة تتحول البنية الجماهيرية المستقلة إلى أوراق موزعة على طاولة التفاوض.

وهنا لا يعود السؤال:

ماذا تريد لجان المقاومة؟

بل يصبح:

من يختار أي لجان تتحدث باسم المقاومة؟

وهذا فرق جوهري.

لجان المقاومة ليست حزباً سياسياً يمكن استقطاب جناح منه ضد جناح آخر، وليست ملكية خاصة لأي قوة سياسية.

ليست للجيش.

وليست للدعم السريع.

وليست للحركات المسلحة.

وليست للأحزاب المدنية.

وليست لأي تحالف يريد أن يرفع رصيده التفاوضي.

إنها نتاج حراك جماهيري واسع، وقيمتها الأساسية في استقلالها عن مراكز القوة والنفوذ.

ولهذا فإن محاولة تحويلها إلى مجرد مكونات سياسية قابلة للجمع والفرز وفق احتياجات أي حوار ستكون خسارة لها وللمشهد السياسي السوداني كله.

لقد عرف السودان هذه الطريقة من قبل.

ترفع القوى السياسية شعارات جميلة عن العدالة والهامش والمواطنة، ثم تنتهي العملية إلى شراكة مع العسكر، أو مقاعد في السلطة، أو تسوية تحفظ مواقع القوى القديمة وتعيد إنتاجها في صورة جديدة.

ولهذا فإن اختبار أي موقف سياسي لا يكون بجمال عباراته، وإنما بما يترتب عليه في الواقع.

من يقول إنه مع الهامش، فليوضح كيف سيُنهي التهميش.

ومن يقول إنه مع العدالة، فليوضح كيف ستتحقق العدالة.

ومن يتحدث عن وحدة السودان، فليوضح على أي أساس ستقوم هذه الوحدة.

ومن يدعو إلى إنهاء الح.رب، فليوضح كيف ستُعالج الأسباب التي أشعلتها.

ومن يذهب إلى الحوار، فليقل بوضوح:

حوار من؟ ولصالح من؟ ومن يملك حق تحديد أجندته ومخرجاته؟

أما أن تُستخدم الشعارات الصحيحة لتجميل مشروع سياسي لا يعالج جذور الأزمة، فذلك أمر ينبغي الحذر منه.

ولجان المقاومة نفسها ليست فوق النقد.

بل إن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على النقد الداخلي والمراجعة والاختلاف الديمقراطي.

لكن الاختلاف الديمقراطي شيء، وصناعة بيانات مجهولة المصدر شيء آخر.

الأول يقوي التنظيمات القاعدية.

والثاني يفتح الباب أمام اختطاف صوتها.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إسكات الأصوات المختلفة، وإنما حماية قواعد العمل الديمقراطي داخل لجان المقاومة.

من يريد أن يتحدث باسم لجنة مقاومة، عليه أن يكون مستعداً للإجابة عن الأسئلة البسيطة:

من أنت؟

من تمثل؟

كيف اتخذتم القرار؟

أين القاعدة التي فوضتك؟

وما موقفكم الواضح من الحرب ومن جذورها ومن مستقبل الدولة السودانية؟

هذه الشفافية لا تخيف من يملك موقفاً حقيقياً.

فالذين يريدون بناء دولة جديدة لا يخافون من الأسئلة.

والذين يملكون تفويضاً حقيقياً لا يخافون من إثباته.

أما استخدام أسماء اللجان لتمرير مواقف سياسية ثم مطالبة الناس بتصديقها لمجرد أنها حملت كلمة «مقاومة»، فهذا ليس عملاً ديمقراطياً.

لقد دفعت لجان المقاومة ثمناً غالياً من الاعتقالات والقمع والتشريد والدم، ولذلك لا يجوز أن تتحول تضحياتها إلى رأسمال سياسي يستخدمه هذا الطرف أو ذاك للحصول على موقع في طاولة تفاوض.

نحن لا نحتاج إلى لجان مقاومة تبحث عن مقعد في السلطة.

نحتاج إلى لجان مقاومة تحافظ على استقلال قرارها.

لا نحتاج إلى مقاومة تصفق لطرف ضد طرف.

نحتاج إلى مقاومة تضع مصلحة الشعب فوق الجميع.

ولا نحتاج إلى حوار يُدار من أعلى ثم يبحث عن أسماء جماهيرية تمنحه غطاءً سياسياً.

إذا كان هناك حوار حقيقي، فليكن حواراً يضع الشعب في مركز العملية، ويبدأ بوقف الح.رب، ويعالج جذورها، ويضع العدالة والمواطنة المتساوية في مقدمة وأولوياته، ويعيد بناء الدولة على أساس مدني ديمقراطي، وينهي عسكرة السياسة والاقتصاد.

أما تحويل لجان المقاومة إلى مكونات متفرقة، ثم اختيار بعضها للمشاركة في ترتيبات سياسية جاهزة، فليس حلاً للأزمة.

إنه فقط إعادة تدوير للأزمة بواجهات جديدة.

ولهذا يجب أن يكون الموقف واضحاً منذ الآن:

لجان المقاومة ليست حصان طروادة يدخل به أحد إلى بوابة الثورة ثم يفتح الطريق أمام إعادة إنتاج النظام القديم.

ليست مطية لحوار بورتسودان.

وليست ورقة تفاوض.

وليست رصيداً انتخابياً.

وليست غنيمة سياسية.

إنها قوة جماهيرية، وقيمتها في استقلالها.

والشعب السوداني الذي خرج وأسقط نظاماً استمر ثلاثة عقود، ورفض كل محاولات الالتفاف على إرادته، قادر على أن يميز بين تغيير حقيقي وتغيير في اللافتات فقط.

المقاومة لا تُختطف.

والثورة لا تُختصر في مقاعد التفاوض.

والسلطة في النهاية للشعب.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.