البحر الأحمر.. من فاصل جغرافي إلى جسر اقتصادي بين السعودية والسودان

صحيفة الهدف

بقلم: عادل أحمد محمد

في توقيتٍ يحتاج فيه السودان إلى أكثر من مجرد المساعدات، وتحتاج فيه المنطقة إلى بناء شراكات اقتصادية أكثر عمقاً واستدامة، يأتي المقترح الذي طرحه الأكاديمي والكاتب السعودي محمد بن دليم القحطاني بتحويل البحر الأحمر من مساحة تفصل بين المملكة والسودان إلى جسر اقتصادي يجمع البلدين، ليطرح سؤالاً أكبر من حدود الفكرة نفسها

هل آن الأوان لأن تتحول العلاقة السعودية  السودانية من علاقة تاريخية وشعبية إلى شراكة اقتصادية استراتيجية تصنع المستقبل؟

الفكرة في جوهرها ليست إنشاء خط بحري بين ميناءين، ولا زيادة حجم التجارة بين بلدين متجاورين جغرافياً فقط بل إعادة تعريف البحر الأحمر نفسه باعتباره ممرّاً للتكامل الاقتصادي، يمكن أن يربط رأس المال والتكنولوجيا والأسواق السعودية بالأرض والموارد والموقع الاستراتيجي السوداني.

وقد تضمن المقترح أفكاراً مثل إنشاء خط بحري منتظم للحاويات وسفن الدحرجة، ومناطق لوجستية، وصوامع للحبوب، ومخازن تبريد، ومشروعات للتصنيع الغذائي، مع ربط الاستثمارات السعودية بقطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والطاقة المتجددة في السودان.

السودان لا يحتاج إلى شريك يبحث عن موارده فقط

المشكلة التي عانى منها السودان لعقود لم تكن في قلة الموارد، بل في ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

السودان يمتلك مساحات زراعية هائلة، وثروة حيوانية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وموارد معدنية، وإمكانات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح، فضلاً عن موقعه الذي يمكن أن يجعله بوابة طبيعية للأسواق الأفريقية.

لكن هذه الإمكانات ظلت في كثير من الأحيان أسيرة ضعف البنية التحتية، وغياب التخطيط الاقتصادي طويل المدى، والاضطراب السياسي، وتضارب المصالح، وضعف مؤسسات الدولة.

وهنا تحديداً يمكن أن تكون الشراكة مع السعودية مختلفة.

فالمملكة تمتلك رأس المال والخبرة والتقنيات والأسواق وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، بينما يمتلك السودان الأرض والموارد والموقع والعمق الأفريقي.

وهذه ليست علاقة مانح ومتلقٍى بل يمكن أن تكون علاقة مصالح متبادلة.

البحر الأحمر ليس بحراً بين بلدين.. بل بوابة إلى قارة

إذا نظرنا إلى الخريطة بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، سنكتشف أن المسافة البحرية بين الساحلين السعودي والسوداني ليست عائقاً، وإنما فرصة.

جدة في مواجهة الساحل السوداني، وبورتسودان تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة، والسودان يمثل امتداداً طبيعياً نحو أسواق شرق ووسط أفريقيا.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمشروع.

فالمطلوب ليس فقط أن تصل البضائع السعودية إلى السودان، وإنما أن يتحول السودان إلى منصة لإنتاج وتصنيع وتصدير المنتجات إلى الأسواق الأفريقية.

يمكن أن تبدأ القصة من ميناء بورتسودان، لكنها لا يجب أن تنتهي عنده.

طريق بري وسكة حديد ومناطق صناعية ومخازن ومراكز لوجستية يمكن أن تجعل الساحل السوداني حلقة وصل بين الخليج وأفريقيا.

وهنا يصبح البحر الأحمر طريقاً اقتصادياً في الاتجاهين.

الزراعة يمكن أن تكون نقطة البداية

من أكبر الأخطاء أن ينظر السودان إلى الزراعة باعتبارها نشاطاً تقليدياً محدوداً.

الزراعة السودانية يمكن أن تتحول إلى صناعة متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي في الأسواق.

بدلاً من تصدير المحاصيل في صورتها الأولية، يمكن إنشاء مشروعات للتصنيع الغذائي والتعبئة والتخزين والتبريد، بحيث ترتفع القيمة المضافة ويستفيد المنتج السوداني والمستثمر والشريك التجاري في الوقت نفسه.

والأمر نفسه ينطبق على الثروة الحيوانية.

السودان يستطيع أن ينتقل من تصدير الحيوان إلى تصدير منتجات حيوانية مصنّعة وفق المعايير العالمية.

وهذا يتطلب مسالخ حديثة، ومصانع للتصنيع الغذائي، وسلاسل تبريد، وموانئ مجهزة، وشبكات نقل فعالة.

وهنا يمكن للسعودية أن تكون سوقاً وشريكاً استثمارياً ولوجستياً في الوقت نفسه.

ولكن هناك شرطاً واحداً لا يمكن تجاهله

الاستثمار لا يعيش في بيئة الفوضى.

وهذه هي النقطة التي يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش حول المستقبل الاقتصادي للسودان.

لا يمكن جذب استثمارات ضخمة بشعارات سياسية.

ولا يمكن بناء شراكة استراتيجية من دون دولة مستقرة، وقوانين واضحة، وقضاء قادر على حماية الحقوق، ونظام مصرفي يعمل، وشفافية في منح الأراضي والامتيازات، ومؤسسات تستطيع تنفيذ العقود وحماية المستثمر والمواطن في الوقت نفسه.

السودان لا يحتاج إلى بيع موارده تحت ضغط الحاجة.

بل يحتاج إلى التفاوض من موقع المصلحة الوطنية.

والشراكة الناجحة ليست التي يأخذ فيها طرف أكثر، وإنما التي تجعل الطرفين حريصين على استمرارها.

من بورتسودان يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة

قد تبدو فكرة  الجسر الاقتصادي كبيرة، لكنها يمكن أن تبدأ بمشروعات محددة وقابلة للقياس.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.