وصايا الرسول ﷺ وقت الحرب… حين يصبح المولد سؤالاً للسودانيين

صحيفة الهدف

سامي السر

تمر علينا ذكرى مولد رسول الله محمد ﷺ، في الثاني عشر من ربيع الأول، على القول المشهور في تاريخ مولده، فتعود السيرة النبوية إلى الوجدان لا باعتبارها حكاية من الماضي، وإنما باعتبارها ميزاناً أخلاقياً نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

وقد درج المسلمون في شتى بقاع العالم على الاحتفاء بهذه الذكرى بصور متعددة؛ بالطعام والأهازيج والمدائح والأناشيد والمجالس، وتختلف مظاهر الاحتفال من مجتمع إلى آخر، لكنها تلتقي في معنى واحد: محبة رسول الله ﷺ وتعظيمه.

غير أن السؤال الأهم هو: ماذا يبقى من محبتنا للنبي ﷺ عندما تشتعل الحرب؟

فمولده ليس مناسبة نردد فيها المدائح ثم نعود إلى حياتنا كما كانت؛ بل مناسبة لنسأل أنفسنا: ماذا قال الرسول عن الحرب؟ وكيف تعامل مع المرأة والطفل والشيخ والأسير؟ ماذا قال عن الغدر والتمثيل بالجثث؟ وكيف كان ينظر إلى الرحمة حتى في أشد لحظات الخصومة؟

لقد وضع النبي ﷺ للحرب أخلاقاً لا تسقط بسقوط السيوف.

فعندما رأى امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، أنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. وهو حديث ثابت في الصحيحين.

أي أن المرأة والطفل ليسا هدفاً لأنهما ينتميان إلى الطرف الآخر.

ولم تكن وصاياه ﷺ بالرحمة مجرد عبارات وعظية؛ فقد نهى عن الغدر والتمثيل والقتل الذي يتجاوز ضرورات القتال، وجاء في وصيته للجيوش: «ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً».

وهنا تتقدم السيرة النبوية علينا بالسؤال الصعب: هل يمكن أن تكون الحرب حرباً، ولكن تظل فيها إنسانية؟

نعم، في المنظور النبوي، حتى الخصومة لها حدود.

ولم يتوقف الأمر عند النساء والأطفال؛ فقد جاءت وصايا الخلفاء الراشدين امتداداً لهذا المعنى، ومن أشهرها وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان، إذ أوصاه ألا يقتل امرأة ولا صبياً ولا شيخاً هرماً، وألا يخرب عمراناً ولا يقطع شجرة مثمرة، وألا يحرق نخلاً ولا يذبح بهيمة إلا لمأكلة، وألا يغدر ولا يمثل.

وهنا تصبح حماية البيئة جزءاً من أخلاق الحرب أيضاً؛ فالشجرة المثمرة ليست مقاتلاً، والحيوان ليس عدواً، والعمران الذي يأوي المدنيين ليس غنيمة حرب.

أما الأسير، فليس إنساناً سقطت عنه كرامته بمجرد أن أصبح في قبضة خصمه.

يقول القرآن الكريم: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، فيجعل للأسير أحكاماً ومعاملة، لا مجال فيها لمنطق الانتقام الأعمى.

ويأتي التعبير القرآني أكثر وضوحاً في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾.

تأملوا المفارقة: الأسير الذي كان بالأمس في الطرف المقابل يصبح اليوم إنساناً تجب صيانته من الجوع والإهانة والتعذيب.

وهنا بالذات تصبح السيرة النبوية شديدة الصلة بحرب السودان.

فالسودانيون اليوم لا يحتاجون إلى خطب جديدة بقدر حاجتهم إلى تذكّر أبسط قواعد الرحمة: لا تقتل المرأة لأنها من الطرف الآخر، ولا الطفل لأنه وُلد في منطقة يسيطر عليها خصمك، ولا الشيخ لأنه عجز عن الهرب، ولا تعذب الأسير لأنه قاتلك، ولا تجعل المستشفى والمدرسة والسوق ومحطة المياه أهدافاً للحرب.

والواقع السوداني مؤلم.

فقد وثقت الأمم المتحدة خلال الحرب هجمات ألحقت أضراراً بالمدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومرافق المياه والطاقة والأسواق. كما وثقت مقتل وإصابة أعداد كبيرة من الأطفال، والعنف الجنسي ضد النساء والفتيات، والهجمات على المدارس والمستشفيات.

وفي مارس 2026، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 200 هجوم على مرافق صحية منذ بداية الحرب أوقعت أكثر من ألفي قتيل، كما حذرت من أن استخدام الطائرات المسيّرة في المناطق المأهولة أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

هذه ليست مجرد أرقام.

وراء كل رقم امرأة فقدت زوجاً، وطفل فقد أباً، وأم تنتظر ابناً لا تعرف أهو حي أم أسير أم مفقود، وشيخ أُجبر على ترك بيته، ومستشفى فقد قدرته على علاج المرضى، ومدرسة تحولت إلى مأوى، وقرية فقدت مصدر الماء أو الكهرباء.

وهنا تتجلى خطورة الأسلحة التي لا تميز بين المقاتل والمدني، حين تُستخدم في مناطق مأهولة، لأن الخطأ في الحرب لا يصيب حجراً فقط؛ قد يصيب طفلاً لا يعرف حتى لماذا اندلعت الحرب.

لكن أخطر ما في الحرب السودانية أنها حرب بين أبناء بلد واحد، وفيها مسلمون من الجانبين، وأسر وقبائل ومجتمعات اختلطت فيها الروابط بصورة تجعل سؤال السيرة أكثر إلحاحاً.

ماذا يقول القرآن عندما يقتتل المسلمون؟

لا يقول: اقتلوا الجميع.

بل يقول:

﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.

لاحظوا الكلمة: «المؤمنين».

حتى بعد وقوع الاقتتال لم تسقط عنهم صفة الإيمان، ولم يتحول الطرف الآخر إلى كائن بلا حرمة. ثم يأمر القرآن بالإصلاح، فإن بغت إحدى الطائفتين، يكون الموقف من البغي، ثم تعود الآية مرة أخرى إلى كلمة الإصلاح والعدل.

إنها فلسفة مختلفة تماماً عن منطق الحرب المفتوحة: أوقفوا القتال، أوقفوا البغي، ثم أصلحوا بين الطرفين بالعدل.

وهذا بالضبط ما يحتاجه السودان اليوم.

فالانتصار العسكري لا يستطيع وحده أن يعيد طفلاً مات، أو أماً اغتصبت، أو بيتاً دمر، أو مستشفى خرج من الخدمة، أو قرية محيت ملامحها.

والانتقام لا يصنع وطناً.

والثأر لا يبني دولة.

والكراهية لا تعيد الذين فقدناهم.

إن محبة الرسول ﷺ لا تُقاس بعدد اللافتات التي نرفعها في المولد، ولا بعدد القصائد التي ننشدها، وإنما بما نفعله عندما نختلف، وبما نفعله عندما نغضب، وبما نفعله عندما يصبح خصمنا أسيراً بين أيدينا.

إذا كان النبي ﷺ قد نهى عن قتل النساء والأطفال، ونهى عن الغدر والتمثيل، وأمر بحفظ كرامة الإنسان، وإذا كان القرآن يأمر بإطعام الأسير، ويدعو إلى الإصلاح بين المؤمنين المتقاتلين؛ فكيف يمكن لمن يزعم الاقتداء بالنبي أن يجعل الحرب باباً مفتوحاً لقتل المدنيين وتعذيب الأسرى وترويع النساء والأطفال وتدمير مقومات الحياة؟

إن ذكرى المولد النبوي في السودان هذا العام ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة للاحتفال بالنبي الذي نحب، بل مناسبة للعودة إلى أخلاق النبي الذي نريد أن نتأسى به.

فلنرفع من المولد رسالة واحدة: أوقفوا الحرب. أوقفوا قتل الأطفال. احموا النساء والشيوخ. أطلقوا سراح الأسرى والمحتجزين أو عاملوا من بقي منهم وفق الكرامة والإنسانية. احموا المستشفيات والمدارس والأسواق ومصادر المياه والكهرباء. افتحوا الطرق أمام الغذاء والدواء. أوقفوا خطاب الكراهية والتحريض. واجلسوا إلى طاولة السلام قبل أن لا يبقى في السودان شيء يستحق أن يتقاتل الناس من أجله.

فالنبي ﷺ جاء رحمة للعالمين، والرحمة لا تكون في المساجد والمواسم فقط؛ الرحمة تُختبر عندما تشتعل الحرب.

وفي مولده، ربما يكون أعظم احتفال به هو أن يتوقف سوداني عن قتل سوداني، وأن يضع مقاتل سلاحه، وأن ينجو طفل من قذيفة، وأن تعود امرأة إلى بيتها آمنة، وأن يُفتح باب أسير، وأن يعود السلام إلى وطن أنهكته الحرب.

اللهم بحق نبي الرحمة، أطفئ نار الحرب في السودان، واحقن دماء أهله، واحفظ أطفاله ونساءه وشيوخه، وألّف بين قلوب أبنائه، واجعل السلام أقرب إليهم من رصاصة، وأبقى من انتصار، وأكرم من ثأر.

#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #السودان #سامي_السر #أخلاق_الحرب #محبة_الرسول #سلام_السودان #وحدة_الوطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.