حين جمع حبُّ النبي ﷺ السودانيين… فمن الذي فرّقهم؟ 

صحيفة الهدف

عبدالمنعم مختار

منذ أقدم العصور كان للمولد النبوي الشريف في السودان طعمٌ لا يشبه سواه؛ حتى حدث ما حدث. موسماً تدخل فيه المحبة إلى البيوت والأزقة والأسواق، وتخرج من المساجد إلى الشوارع، حتى يبدو السودان، على اختلاف قبائله وجهاته وطبقاته وتوجهاته، كأنه أسرة واحدة اجتمعت على اسم واحد: محمد ﷺ. وأكاد أجزم أنه لا يوجد بيت سوداني واحد يخلو من اسم من أسماء الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم، خاصة محمد وأحمد.

كان الطفل ينتظر المولد كما ينتظر العيد. عيناه معلقتان بحلاوة المولد: الحمصية، والفولية، والسمسمية، وبـ«عروسة المولد» و«حصان المولد» وحلاوة قطن، تلك الألعاب البسيطة التي لم تكن مجرد حلوى أو دمى، وإنما كانت تصنع في مخيلة الصغار عالماً كاملاً من الفرح والمرح والغبطة. كان المولد مدرسة مبكرة يتعلم فيها الطفل أن الفرح يمكن أن يكون جماعياً، وأن الجيران والأهل والغرباء يستطيعون أن يلتقوا دون أن يسأل أحدهم الآخر: من أي قبيلة أنت؟ ومن أي جهة؟ وما موقفك السياسي؟

ثم تأتي زفة المولد، فتختلط الألوان بالأصوات، ويعلو المديح، وتتحرك الجموع في مشهد يختزن ذاكرة السودان الدينية والشعبية. وفي حلقات الذكر، وبين الدراويش وأهل المديح، كانت الأرواح تجد فسحتها من ضجيج الحياة. وحتى فتة الختمية وغيرها من أطعمة المناسبة لم تكن مجرد مأكولات؛ كانت جزءاً من طقس اجتماعي يقول ببساطة: نحن هنا معاً.

ولعل أجمل ما في المولد السوداني أنه كان يتسع للجميع. لم يكن حب الرسول ﷺ بطاقة عضوية في قبيلة أو حزب أو جهة. كان يجمع المتصوفة وغيرهم، الفقير والغني، أهل القرى والحضر، الشمال والوسط والشرق والغرب والجنوب، المختلفين في السياسة والمتفقين عليها، في مساحة واحدة اسمها المحبة.

ثم جاءت الحرب.

لم تستطع الحرب أن تقتل ذكرى المولد، لكنها أثقلت خطواته، وغيّرت ملامح احتفاله. شُردت الأسر، وتباعدت المدن، وانطفأت ميادين كانت تضج بالمديح، وتحول كثير من الناس من صناعة الحلوى إلى البحث عن الخبز والأمان. ومع ذلك بقي السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نحتفل بمن علّمنا الرحمة، بينما يتسع بيننا خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية؟

ربما لم يعد المطلوب أن نستعيد المولد كما كان فقط، بل أن نستعيد المعنى الذي كان يجمعنا فيه.

فإذا كان محمد ﷺ قد جمع السودانيين في محبتهم له، أفلا يجدر بنا أن نجعل من هذه المحبة جسراً إلى السلام؟

ليس حب الرسول ﷺ أن نكثر من المدائح ثم نعود إلى شتم الآخر واحتقاره بسبب قبيلته أو لونه أو جهته. الحب الحقيقي أن تصبح سيرته أخلاقاً فينا: رحمةً عند الاختلاف، وعدلاً عند الخصومة، وتسامحاً عند الجراح.

فليكن المولد هذه المرة أكثر من حلوى وزفة ومديح؛ ليكن تذكيرًا للسودانيين بأن الوطن الذي مزقته الحرب، تستطيع المحبة أن تبدأ في خياطته من جديد.

فمن أحبَّ محمدًا حقاً، فليُطفئ في قلبه نار الكراهية قبل أن يشعل شمعة المولد.

#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #عبدالمنعم_مختار #السودان #محبة_الرسول #وحدة_السودانيين #سلام_السودان #أخلاق_النبي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.