د. أشرف مبارك
هناك مدنٌ تعيش فيها، ومدنٌ تعيش فيك.. وأم درمان من تلك المدن التي تستوطن الوجدان وتأبى أن تغادره. كلما مرت أيام ربيع الأول، عادت بي الذاكرة طائفة إلى سنين الطفولة والصبا العذبة، يوم كنا نسكن في ذلك الجزء العريق من المدينة، في حي الإسبتالية خلف المستشفى وعلى مقربةٍ من ميدان الخليفة.
كان الصباح يبدأ برحلةٍ يومية نشق فيها الميدان بأقدامنا الصغيرة أنا وأخي الأصغر أيمن متجهين إلى مدرسة «بيت الأمانة» الابتدائية – ذلك المبنى الذي يحمل عبق التاريخ بكونه الإذاعة القديمة – طاوين الطريق بطفولةٍ لا تحمل من الهموم شيئاً، مارين بـ «بيت أبو العلا» (دار حزب الأمة حالياً). كان الميدان بالنسبة لنا نحن الأطفال مجرد مساحةٍ شاسعة نختصر بها الطريق صباحاً وآخر النهار، لكنه في أيام المولد كان يتحول إلى عالمٍ ساحرٍ يخلب الألباب.
مع اقتراب المولد النبوي الشريف، كان الميدان يستيقظ على حركةٍ لا تهدأ؛ تُنصب السرادقات الكبيرة وتتحول المساحات الفارغة إلى دكاكين ومصانع صغيرة لـ «حلاوة المولد». كنا نمر بين تلك السرادقات، نتفرج على تصميماتها والرقص الجنوني للدراويش، دون أن نفهم كنهه، أو ندرك معنى تقسيمات السرادقات ولا ندرك لماذا يُخصص هذا السرادق لـ «الحكومة»، وذاك بالطريقة «القادرية»، وآخر لـ «الختمية» أو «البرهانية». لم نكن نعرف إن كان هذا الاحتفال مشروعاً أم لا، كان كل ما يعنينا هو ذلك الفيض من الألوان، ورائحة السمسمية والحمصية الممزوجة برائحة السكر المعقود، وتلك العرائس والأحصنة السكرية التي تتطلع إليها أعيننا بشغف.
لكن السحر الحقيقي لم يكن يبدأ إلا مع هبوط الليل.
كان أيمن يدخر كل مصروفه اليومي ليشتري حلاوة المولد كلما مر بدكاكين الحلاوة آخر النهار. كان يعشق السمسمية، وكان أحياناً يشتري الفولية لأنه يعلم أنني أحبها أكثر من السمسمية… (حفظه الله، ما زال يؤثر الآخرين على نفسه).
في البيت، وبعد أن تهدأ حركة النهار، كانت تبدأ طقوسٌ من نوعٍ آخر. تتسلل عبر نسائم الليل الأمدرماني أصوات المداحين، واهتزازات الطبول، وصليل الكشاكيش، مترافقةً مع إيقاعات الذكر الصوفي التي لم نكن نفهم لها معنى غير أنها صداحة شجية. كانت تلك الأصوات تجتاز جدران المنازل وتستقر في ذكرياتنا، ترسم في أذهاننا صوراً للنغم والطرب والوجد.
ثم تأتي «ليلة القفلة».. ذروة الجمال والسحر والزحام.
ليلة القفلة لم تكن مجرد ليلةٍ ختامية، بل كانت مهرجاناً تذوب فيه المدينة بأكملها. الميدان يفيض بالنور والناس، والأصوات تتصاعد وتأخذها النسائم حتى تبلغ أحياء أم درمان. كانت تلك الليلة حقاً – كما انطبعت في ذهني منذ الصغر – «سر الليالي»، ليلة تنطبع مشاهدها وأصواتها في أقاصي الذاكرة، لتظل حيةً لا يمحوها الزمان، شاهدةً على دفء أم درمان.
#ملف_الهدف_الثقافي #سر_الليالي #أشرف_مبارك #المولد_النبوي #أم_درمان #السيرة_النبوية #محبة_الرسول #وحدة_الوطن

Leave a Reply