د. جمال الجاك
«كانت الشخصية العربية كلاً موحداً، لا فرق بين روحها وفكرها، بين عملها وقولها… وحين تنفصل الكلمة عن الفعل تتحول إلى علامة على أزمة الإنسان نفسه. إن العودة إلى السيرة النبوية ليست مجرد استعادة لشكل تاريخي مضى، بل هي استنهاض لقوة روحية وأخلاقية تتجدد بها الحياة وتتجاوز بها الأمة أزماتها». — مستوحى من مقال “ذكرى الرسول العربي” (ميشيل عفلق، 1943)
نبض الحياة في قلب الركام
في لحظة تاريخية استثنائية يمر بها السودان، خرجت جموع المواطنين في مدن أم درمان، وود مدني، وشرق النيل لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف (1448 هـ)، لتعلن عبر مسيرات «الزفة» وعودة سرادق المديح والحلقات الصوفية أن إرادة الحياة أقوى من ويلات الحرب وآلام الانقطاع. لم تكن هذه الاحتفالات مجرد طقس ديني تقليدي أو تظاهرة فولكلورية عابرة، بل جاءت بمثابة وقفة مع النفس واستعادة رمزيّة لعافية المجتمع والوطن.
تتقاطع هذه العودة الميدانية لـ «الزفة» السودانية مع العمق الفكري الذي طرحه المفكر القائد المؤسس ميشيل عفلق في خطابه الشهير «ذكرى الرسول العربي» (دمشق، 1943)، حيث دعا إلى اتخاذ المولد النبوي محطة لمراجعة الذات وتحديد الموقع من القيم المحمدية. فبين تحرك الشارع السوداني لإعادة تشكيل فضاءاته العمومية، والرؤية الفكرية التي تجعل من السيرة النبوية ثورة روحية وأخلاقية متجددة، تتبلور قراءة شاملة للمناسبة من أربعة أبعاد رئيسية: الديني، النفسي، الاجتماعي، والسياسي.
أولاً: المنظور الديني (تجدد الروح وتكامل القول بالعمل)
ينظر الوجدان الإسلامي إلى ذكرى المولد النبوي بوصفها محطة لاستحضار النموذج الإنساني الأسمى في الأخلاق والقيادة. وفي هذا السياق، يقدم مقال «ذكرى الرسول العربي» أطروحة عميقة تُخرج السيرة من النمطية التكرارية إلى الأفق الرسالي الحي.
- الإسلام ثورة روحية متجددة: يرى المقال أن الرسالة المحمدية لم تكن حدثاً عابراً في التاريخ انتهى بانقضاء زمانه، بل هي «هزة حيوية» وتجربة أخلاقية كبرى تُعيد إطلاق الطاقات الكامنة في الإنسان. إن الاحتفاء بالمولد النبوي يقتضي الانتقال من التغني الشكلي بالسيرة إلى الاستعداد الدائم للتمثل الأسوي لقيمها.
- مطابقة الكلمة للفعل: حذّر المقال من انفصال «اللفظ» عن «الموقف»، مشيراً إلى أن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تفرغ الكلمات من مضامينها وتتحول الأفكار إلى مجرد كلام لا يسانده العمل. فالدين في جوهره ليس دعوى باللسان فقط، بل هو التزام وحركة تتحد فيها «الصلاة مع العقل النير والساعد المفتول».
- إنسانية الرسالة وخلودها: تتجلى فرادة التجربة النبوية في كونها انطلقت من واقع محدد لتخاطب القيم الإنسانية الشاملة (العدل، الرحمة، الحرية، والكرامة). وإحياء المولد اليوم في ظل ظروف المعاناة السودانية يجسد هذا البعد الديني الذي يرى في الرسالة النبوية ملاذاً إيمانياً وقوة أخلاقية تُعين المرء على تحمل عبء الواقع وتجاوزه.
ثانياً: المنظور النفسي (العافية الروحية ومقاومة الصدمة)
تترك الحروب والنزاعات المسلحة جراحاً عميقة في النفس البشرية، تتجسد في مشاعر الخوف، والشتات، وفقدان الأمان. ومن هذا المنطلق، تؤدي شعائر المولد والفعاليات المصاحبة لها دوراً بلسمياً ووقائياً على الصعيد النفسي:
- كسر الشعور بالعجز والاستكانة: دعا مقال «ذكرى الرسول العربي» الشباب والجيل الجديد إلى استلهام الثورة الروحية لمواجهة آلام الحاضر وتخلفه. وعلى المستوى النفسي، فإن خروج المواطنين إلى الساحات العامة لممارسة أهازيج «الزفة» والإنشاد الصوفي يُعد شكلاً من أشكال المقاومة النفسية، حيث يتحول الإنسان من حالة الضحية السلبية إلى فاعل يستعيد سيادته على حياته اليومية.
- التنفيث الانفعالي والراحة الوجدانية: تُوفر حلقات الذكر والمديح ومدائح المولد مساحة وجدانية للتسامي فوق الآلام. فالترديد الجماعي للأذكار والأناشيد يُسهم في تخفيف الضغط النفسي والتخلّص من مشاعر القلق، ويمنح الأفراد شحنة من الطمأنينة والأمل، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ «التعافي عبر الشعائر الجماعية».
- إعادة بناء المعنى وتغذية البهجة: إقبال الأسر والأطفال على الساحات والخيام يمثّل استعادة لبهجة الحياة المفقودة. إن رؤية مظاهر الفرح والترويح وسط ظروف الحرب تُعيد للأطفال والشبان الشعور بالاستقرار، وتغرس في نفوسهم أن القيمة الأخلاقية والإيمانية هي الركيزة التي تُستمد منها القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.
ثالثاً: المنظور الاجتماعي (إعادة ترميم النسيج المجتمعي والفضاء العام)
إن أخطر ما تحدثه النزاعات هو تمزيق النسيج الاجتماعي وعزل الأفراد داخل خنادق الخوف. وفي هذا السياق، تنبع الأهمية الاجتماعية لعودة «زفة المولد» في الخرطوم ومدن السودان:
- استعادة الفضاء العام المشترك: خلال سنوات النزاع، تفككت الشوارع والساحات الشعبية وتحولت إلى مناطق مخاطر أو فراغ. إن سير مسيرات «الزفة» في الشوارع وإقامة السرادق يُعيد لـ «الشارع» وظيفته الاجتماعية كفضاء آمن للالتقاء والتفاعل الإنساني التلقائي.
- المعزوفات الصوفية والتضامن الاجتماعي: تُشكل الطرق الصوفية في السودان حائط صد اجتماعي يجمع مختلف المكونات والقبائل تحت مظلة واحدة. وفي خيام المولد والذبائح وحلقات الذكر، تذوب الفوارق الطبقية والجهوية، ويتجسد مفهوم التكافل والتضامن الشعبي في أبهى صوره، مما يساهم في ترميم الروابط المجتمعية التائهة.
- الربط بين الأصالة والتجدد: كما أشار مقال القائد المؤسس إلى أن الأمّة تحتاج إلى تجديد دماء الشخصية الموحدة التي تجمع بين الفكر والروح والعمل، فإن الاحتفال الاجتماعي بالمولد يمثل جسراً ينقل التراث والذاكرة الجمعية إلى الأجيال الجديدة، فيحمي الهوية الثقافية من التلاشي أمام تغول أحداث الحرب والتهجير.
رابعاً: المنظور السياسي (الرمزية القومية وسيادة إرادة الحياة)
لا يمكن فصل مظاهر الاحتفال الشعبي والمقولات الفكرية المؤطرة لها عن السياق السياسي الكلي للنهضة والاستقرار:
- الإسلام والعروبة كإطار حضاري وموحد: قدم ميشيل عفلق في مقاله رؤية سياسية-فكرية ترى في التجربة المحمدية الجوهر الحضاري للعروبة، حيث اقترنت اليقظة القومية برسالة أخلاقية وإنسانية جامعة وليس برغبة للتوسع أو السيطرة. وفي الواقع السوداني والعربي المعاصر، تُبرز هذه الرؤية أهمية الهوية الحضارية الجامعة التي تتجاوز الولاءات الضيقة (المناطقية، القبلية، أو الحزبية) لصالح بناء مجتمع متماسك.
- الاحتفال كفعل سياسي وشعبي: إن نزول الجماهير إلى شوارع أم درمان وود مدني وإقامة الفعاليات الشعبية بعد غياب سنوات يمثل «فصلاً إيجابياً» ورفضاً شعبياً خفياً لواقع الانقسام والدمار. إنها رسالة سياسية مفادها أن الدولة والمجتمع يمتلكان المقومات الذاتية للبقاء والاستمرار، وأن المؤسسات الشعبية والأهلية قادرة على إدارة الفضاء العام وحمايته.
- مسؤولية الجيل الجديد في بناء المستقبل: ركزت الرؤية الفكرية للمقال على دور «الجيل الجديد» الشاب في حمل الرسالة واستلهام القيم الأخلاقية لمواجهة التخلف والتشرذم. واليوم، يقع على عاتق الشباب السوداني والعربي تحويل هذا الزخم الروحي والاجتماعي إلى مشروع بناء وطني وسياسي قائم على سيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والعمل المثمر الذي يطابق القول.
من الذكرى إلى استحقاق النهضة
إن عودة «زفة المولد» إلى شوارع أم درمان وود مدني وشرق النيل في عام 1448 هـ، ليست مجرد حدث زمني في تقويم المناسبات، بل هي إعلان حي عن عودة الدم إلى شرايين الحياة العامة في السودان.
وحين نضع هذا الحدث الميداني في مرآة مقال «ذكرى الرسول العربي»، ندرك أن المغزى الحقيقي لإحياء ذكرى النبي الكريم لا يكتمل بالترنم والمديح وحديهما، بل يتطلب غلياناً في النفس وصدقاً في الشعور يحول الذكرى إلى «موقف وجودي».
لقد أثبت الشعب السوداني في احتفالاته هذا العام أن روح الرسالة النبوية — بما تحمله من أمل، وتكافل، وإرادة — ما زالت القوة المحركة التي تمنحه القدرة على مقاومة الانكسار. وإن التحدي الأكبر الذي يواجه الجيل اليوم هو ترجمة هذا الابتهاج الروحي والزخم الاجتماعي إلى مشروع نهضوي شامل يتحد فيه «الإيمان مع العقل والساعد» لبناء مستقبل يستحق تاريخ هذه الأمة وقيم رسالتها الخالدة.
#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #السودان #جمال_الجاك #السيرة_النبوية #محبة_الرسول #وحدة_الوطن

Leave a Reply