محمد شريف
لم يُقدَّر لأي احتفال ديني وثقافي في العالم العربي والإسلامي أن يحمل من الكثافة الشعورية والجمالية والاجتماعية ما يحمله الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. فمنذ أن تشكّل هذا الاحتفال في نسقه الاجتماعي والمؤسسي، تحوّل من مجرد مناسبة تقويمية إلى ظاهرة ثقافية فريدة تجمع بين العبادة والذكر، وبين الفلكلور الشعبي والممارسات الاجتماعية الجامعة.
ولأن الرواية العربية الحديثة والمعاصرة وليدة هذا النسيج الحضاري والمتخيل الجمعي، فقد احتل المولد النبوي في متونها موقعاً بؤرياً متعدد الوظائف؛ فلم يكن مجرد «ديكور» مكاني أو خلفية ثانوية، بل تحول إلى عنصر سردي فاعل يربط بين الزمن الطقسي والدنيوي، ويعيد تشكيل الذاكرة والهوية والصراع الأيديولوجي.
أولاً: تصحيح وتأصيل تاريخي لنشأة الاحتفال
قبل الخوض في الأبعاد السردية، تقتضي الأمانة العلمية والتاريخية تصحيح مغالطة تاريخية وردت في بعض الأدبيات والملخصات الشائعة التي تربط بداية الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي بعام 969م (سنة دخول جوهر الصقلي مصر وتأسيس القاهرة).
- التصحيح التاريخي: إن سنة 969م هي تاريخ الفتح الفاطمي لمصر وبناء القاهرة، غير أن المواليد الرسمية الستة (ومن بينها المولد النبوي) لم تبدأ فوراً في هذا العام، بل استقرت وتأسست رسمياً في عهد الخليفة المعز لدين الله بعد دخوله مصر (حوالي 362 هـ / 973 م وما بعدها)، وشهدت تنظيمها الهيكلي والباذخ في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجري (في عهد الحاكم بأمر الله ثم المستعلي بالله ووزيره الأفضل شاهنشاه) كما وثّق ذلك المؤرخون كالمقريزي في «الخطط».
ثم انتقل هذا الطقس المؤسسي إلى المشرق ليبلغ أوج نظامه في دولة الملك مظفر الدين كوكبوري في إربل (القرن السابع الهجري)، وفي المغرب العربي عبر جهود علماء سبتة كأبي العباس العزفي ثم مرسوم السلطان المريني أبي يعقوب يوسف سنة 691 هـ الذي أقرّ المولد عيداً رسمياً.
ثانياً: المولد النبوي في المعمار الروائي العربي
عند الانتقال إلى المتن الروائي، نجد أن الروائيين العرب اتخذوا من المولد النبوي فضاءً لما يُسمى في النقد الأدبي بـ «الكرونوتوب الاحتفالي» (الزمان-المكان)؛ حيث يوقف الاحتفال السير الروتيني اليومي للسرد، ويمنح الشخصيات لحظة اتحاد واحتدام جماعي.
- نجيب محفوظ والحارة المصرية: يمثل عالم نجيب محفوظ («الثلاثية»، «زقاق المدق»، «حكايات حارتنا») النموذج الأبرز لتوظيف المولد؛ إذ تتحول الحارة في ليالي ربيع الأول إلى ساحة ضوئية وصوتية تجمع الغني والفقير، وتكسر التراتبية الاجتماعية مؤقتاً. غير أن محفوظ لا يقف عند حد الوصف الفولكلوري لحلوى المولد (العروسة والحصان) والمواكب، بل يجعل غياب المولد أو انحسار مظاهره في رواياته المتأخرة مؤشراً رمزياً على تصدع قيم الحارة القديمة تحت وطأة الحداثة والتحولات الاجتماعية.
- يحيى حقي والتوتر الثقافي: في «قنديل أم هاشم»، وعلى الرغم من تمحور الرواية حول موالد الأولياء، فإن حقي يؤسس لبنية التوتر الأساسية في الرواية العربية الحديثة: الصراع بين روحانية الاحتفال الشعبي وعقلانية العلم الحديث، حيث يظل المولد فضاء إغواء وذاكرة عصية على الانمحاء.
ثالثاً: الوظائف السردية والرمزية للاحتفال
يتجاوز توظيف الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المتن الروائي العربي مجرد التقديم الوصفي الفولكلوري للمظاهر الشعبية ليؤدي حزمة من الوظائف السردية والرمزية المركبة التي تمنح النص أبعاداً جمالية وفكرية عميقة:
- الوظيفة الزمنية: تعمل على إيقاف النسيج الزمني الخطي المتدفق للأحداث اليومية، مفسحة المجال أمام زمن طقسي احتفالي دائري يعيد بعث الموروث ويكثّف دلالات المواقف الروائية في لحظة إشراق جماعي تتجاوز العادي والمألوف.
- الوظيفة الذاكرية الاسترجاعية: يتخذ الروائيون من مشاهد المولد النبوي وأجوائه المفعمة بأصوات الأناشيد وبريق الحلوى والعروسة ومواكب الضياء، مفتاحاً رمزياً لاستعادة عالم الطفولة المفقود وبراءة الحارة القديمة والبحث عن السكينة النفسية والفردوس المتخيل في مواجهة تحولات الحداثة القاسية.
- الوظيفة الهوياتية: تجسد مشاهد المولد النبوي أداة لتأكيد الاستمرارية الثقافية والتعلق بالأنماط الحضارية الجمعية في مواجهة التغريب ومحاولات الطمس الاستعماري، وهو ما يتضح جلياً في الروايات التي تناولت فترات التحرر الوطني حيث غدا التمسك بالطقوس الدينية الشعبية شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة والتعبير عن الهوية الوطنية والروحية الحية.
- الوظيفة الأيديولوجية الصراعية: يتحول فضاء المولد النبوي في كثير من الأعمال الروائية إلى ميدان احتدم فيه الجدل الفكري والصراع المرجعي بين أشكال التدين الصوفي الشعبي القائم على الفرح والابتهال، وبين الخطابات الإصلاحية أو السلفية التي تنظر إلى تلك الممارسات بوصفها بدعاً وخروجاً عن المألوف، مما يمنح الروائي فرصة نادرة لعرض التحولات الفكرية والاجتماعية في المجتمع العربي عبر لغة سردية حوارية تتعدد فيها الأصوات والمرجعيات.
وفي الرواية المعاصرة، وبخاصة مع صعود موجة «الرواية الصوفية» (مثل «موت صغير» لمحمد حسن علوان)، تحول المولد والمديح النبوي من مجرد حدث اجتماعي إلى فضاء إشراقي وعرفاني، يسعى فيه السرد إلى ملاذ روحي يرمم جفاف العالم المادي المعاصر.
يظل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في الرواية العربية وثيقة جمالية وإنسانية حية؛ استطاع الأدب من خلالها أن يمزج بين المقدس والدنيوي، وبين الذاتي والجماعي. إن المولد في النص الروائي ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو مرآة تتأمل فيها الأمة ذاكرتها، وتسترجع من خلالها دفء الحارة وسكينة الروح في مواجهة تقلبات التاريخ والتحديث.
#ملف_الهدف_الثقافي #الرواية_العربية #محمد_شريف #المولد_النبوي #الأدب_العربي #الذاكرة_السردية #التاريخ_الإسلامي

Leave a Reply