المولد.. بين دُجى الحرب وفجر السلام

صحيفة الهدف

محمد الحاج

في بلادٍ أنهكتها الحروب، وأثقلتها الفواجع، وبدّدت أهلها بين المنافي ومخيمات النزوح، تطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف مثقلةً بأسئلة الوطن والإنسان، لا بوصفها تاريخاً عابراً في الروزنامة، ولا مناسبة تُزيَّن لها الشوارع وتُضاء المصابيح فحسب، وإنما نافذةً من نور تطل منها الروح على المعنى الأعمق للحياة، على المحبة حين تضيق سبلها، والرحمة حين يقسو العالم، والتسامح حين يتسع شقاق الناس.

تجيء لتذكرنا بأن الإنسان لا يكتمل إلا بأخيه الإنسان، وأن الاختلاف، مهما اتسعت مسافاته، يمكن أن يكون جسراً للتعارف لا ذريعة للاقتتال، وأن النور الذي حملته الرسالة أقدر من ظلام الحرب على أن يقود خطانا من ضيق الفتنة إلى سعة السلام.

تأتي ذكرى المولد، في هذه اللحظة السودانية المثقلة بالدم، بوصفها حاجةً روحيةً ووطنيةً إلى استعادة البوصلة التي أضاعتْها سنوات الحرب.

لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالةٍ جوهرها الهدى والرحمة، جعلت من الإنسان قيمةً، ومن حفظ النفس وصون الكرامة والسلام أساساً للحياة. وفي هذا المعنى تتبدى لنا اليوم المسافة الهائلة بين ما نحتفي به من قيم، وما نعيشه من واقع.

كيف يمكن أن نرفع رايات المحبة، بينما نرفع البنادق في وجه بعضنا البعض؟ وكيف نحتفي برسول الرحمة، فيما يُهجَّر الإنسان من بيته، ويُقتل الأبرياء، وتُهدم المدن، ويصبح الموت خبراً يومياً؟

إن المولد في هذه اللحظة السودانية المأساوية، ينبغي ألا يكون مجرد طقس احتفالي، بل وقفة مع النفس، ومراجعةً للضمير الجمعي، ومساءلةً صريحةً للطريق الذي أوصلنا إلى هذا الخراب.

إنها ذكرى تعيدنا إلى السؤال الأخلاقي الكبير: ماذا بقي فينا من أخلاق النبي التي نتغنى بها؟ وأيُّ معنى للمولد إذا لم يكن خيط ضوء يقودنا من عتمة الحرب إلى رحاب السلام؟

إن أعظم احتفاء بالمولد ليس في إضاءة الشوارع، وإنما في أن نضيء نور الرسالة في داخلنا، أن نطفئ نار الكراهية، ونخفض صوت البندقية، ونستعيد لغة الحوار، ونفتح أبواب القلوب قبل أبواب البيوت. فالوطن الذي مزقته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من البغض والكراهية، بقدر ما يحتاج إلى ضمير يستيقظ، وإرادة تتقدم خطوة نحو السلام.

والسلام ليس مجرد وقف صوت الرصاص، بل هو أن يعود النازح إلى بيته، وأن يأمن الجار جاره، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته، والمزارع إلى حقله، ويستعيد الإنسان السوداني حقه الطبيعي في أن يعيش بكرامة دون خوف، وأن يحلم دون أن يطارده شبح الموت.

وفي ذكرى المولد، يجب أن نستعيد واحدةً من أعظم حقائق الرسالة: أن بناء الإنسان يسبق بناء الجدران. فلا وطن ينهض بأيدي القتلة، ولا مستقبل يُشيَّد فوق أنقاض الكراهية، ولا دولة يمكن أن تستقر ما لم يتصالح أبناؤها مع إنسانيتهم أولاً.

لقد كانت السيرة النبوية، في جوهرها، انتقالاً بالإنسان من ظلام الجهل إلى نور المعرفة، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن الثأر إلى العفو، ومن التنازع إلى الاجتماع حول القيم العليا. ولعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى استعادة هذه المعاني.

إن السودان، بكل تنوعه الإثني والثقافي والجغرافي، ليس بحاجة إلى أن يتطابق أبناؤه حتى يعيشوا معاً، بل يحتاجون إلى أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يقتل بعضهم بعضاً. فالوطن ليس قبيلةً واحدة، ولا جهةً واحدة، ولا لوناً سياسياً واحداً، الوطن فسيفساء من الأرواح التي صنعت عبر القرون نسيج هذه البلاد.

ومن هنا، فإن خيط النور الذي تمنحنا إياه ذكرى المولد النبوي يمكن أن يتحول إلى مشروع للخلاص: بأن نعيد الاعتبار للمحبة في حياتنا العامة، وللتسامح في خطابنا، وللعقل في خلافاتنا، وللإنسان في كل حسابات السياسة والحرب.

ولنقل للذين يقتتلون باسم الوطن: الوطن لا يُحمى بقتل أبنائه، ولا تُصان كرامته بإذلالهم، ولا يُبنى مستقبله فوق جماجمهم.

إن ذكرى المولد ليست عودةً إلى الماضي بقدر ما هي دعوة إلى استعادة المعنى. ومعنى الرسالة اليوم أن نختار الحياة بدل الموت، والسلام بدل الحرب، والرحمة بدل الانتقام، والوطن بدل الأيديولوجيا والعصبية.

فليكن المولد خيط ضوءٍ تتشبث به الأرواح المتعبة، ليقودنا من ليل الحرب الطويل إلى صباحات السلام. ولعل أجمل ما نهديه إلى النبي الكريم في ذكرى مولده ليس الأذكار ولا الأماديح وحدها، وإنما أن نكون أقرب إلى القيم التي جاء بها، من مكارم الأخلاق وصون كرامة الإنسان.

فإذا أضاءت هذه المعاني قلوبنا، تستطيع البلاد التي غابت طويلاً في ظلام الحرب أن تشرق شمسها، وأن تخرج من النفق الدامي إلى فجر السلام.

#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #محمد_الحاج #السودان #فجر_السلام #أخلاق_النبي #نبذ_الحرب #تسامح_و_سلام

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.