يحيي شهوان
يتعرض كثير من الباحثين عن الحق إلى ابتلاء ليس في الشارع ولا في المسجد، بل داخل بيوتهم. فقد يقتنع أحد الزوجين بضرورة الاحتكام إلى القرآن وحده، بينما يبقى الآخر متمسكًا بالموروث الديني الذي نشأ عليه. وهنا يبرز السؤال: هل يكفي هذا الاختلاف لإنهاء الحياة الزوجية؟
الأصل الأول: القرآن يبني الإنسان لا يهدم الأسرة من خلال البناء القرآني نجد أن الأصل هو الإصلاح والصبر والحكمة، وليس التعجل في التفريق.
سورة لقمان: بناء الحكمة جاءت وصايا لقمان كلها قائمة على التربية بالحوار والإقناع، لا بالإكراه. فالقرآن يعلم المؤمن أن الحكمة هي الطريق إلى تغيير الإنسان، حتى مع أقرب الناس إليه. ولهذا لم يجعل الاختلاف الفكري مبررًا للقطيعة، بل جعل الحكمة وحسن الخطاب أساس التعامل.
سورة طه: بناء الداعية حين أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، وهو رأس الطغيان، قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فإذا كان هذا هو الأسلوب مع فرعون، فكيف تكون المعاملة مع الزوجة، أم الأولاد، أو الوالدين؟ القرآن لا يربي أتباعه على الانفعال، وإنما على الصبر وطول النفس.
سورة العنكبوت: بناء الثبات أمام ضغط المجتمع قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: 8). هذه الآية من أجمل اللبنات في القرآن؛ فالوالدان قد يجتهدان في حمل الإنسان على الشرك، ومع ذلك لم يأمر القرآن بقطيعتهما، وإنما قال: لا تطعهما… وصاحبهما معروفًا. إذن فوجود الشرك ـ بحسب فهم الإنسان ـ لا يعني سقوط حقوق المعاملة الإنسانية.
سورة لقمان (تكرار المعنى): ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي… فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. هذا التكرار ليس عبثًا، فالقرآن يريد أن يؤسس قاعدة: ارفض الفكرة… ولا تظلم صاحبها.
سورة الممتحنة: بناء الولاء للحق حتى مع الاختلاف العقدي، يقول الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ… أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. فإذا كان البر والقسط مطلوبين مع غير المؤمنين المسالمين، فمن باب أولى أن يكونا مع الزوجة وأم الأبناء.
سورة البقرة: الأسرة ميثاق لا ساحة حرب القرآن يصف العلاقة الزوجية بقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فاللباس يستر ويحمي ويزين، ولم يقل: هن خصوم لكم.
وماذا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾؟ لا يجوز اقتطاع هذه الآية من وظيفة سورتها وسياقها؛ فهي جاءت في سورة الممتحنة التي وظيفتها بناء معايير الولاء والبراءة في ظرف صراع اجتماعي وسياسي خاص، فلا يصح تحويلها إلى قاعدة عامة تقضي بتفريق كل زوجين اختلفا في فهم الدين.
هل يجوز وصف الزوجة بالمشركة؟ هنا ينبغي التوقف طويلًا؛ فالقرآن يصف أفعالًا وأقوالًا بأنها شرك، لكنه يجعل الحساب النهائي على الأشخاص عند الله. أما الإنسان فمهمته البلاغ بالحكمة، لا إصدار الأحكام النهائية على الناس. وقد يكون الإنسان مخلصًا لله، لكنه ورث أفكارًا يظنها من الدين.
وماذا عن الأولاد؟ إذا مُنع الأب من الحديث معهم، فليس معنى ذلك أن المعركة انتهت. الأبناء يتعلمون من السلوك أكثر مما يتعلمون من الخطب. قد يرى الطفل في أبيه الصدق، والرحمة، والصبر، والعدل، واحترام الآخرين، فيسأل بعد سنوات: “لماذا كان أبي مختلفًا؟” وهنا يبدأ البحث الحقيقي. ولهذا يركز القرآن على بناء الشخصية قبل كسب الجدل.
الخلاصة: القرآن لا يدعو المؤمن إلى أن يحول بيته إلى ساحة صراع مذهبي، ولا إلى أن يتخذ قرار الانفصال عند أول اختلاف فكري. بل يدعوه إلى أن يكون قدوة، وأن يصبر، وأن يحاور، وأن يفرق بين مقاومة الفكرة واحترام الإنسان. فإذا تحولت الحياة الزوجية إلى اضطهاد دائم، أو عنف، أو منع كامل من أداء الواجبات، أو أصبح استمرارها يفضي إلى ظلم لا يمكن دفعه، فلكل حالة تقديرها. لكن هذا ليس هو الأصل الذي يؤسس له القرآن.
فالبيت الذي يدخله القرآن لا ينتصر فيه أحد على الآخر، وإنما ينتصر فيه الحق بالحكمة، ويُترك للزمن أن يُنبت البذور التي زُرعت بالرفق والصبر. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال لكل باحث عن الحق هو: لا تجعل أول ضحايا رحلتك إلى القرآن هم أقرب الناس إليك. فإن الله الذي أمرك بالثبات على الحق، هو نفسه الذي أمرك بالمعروف، والعدل، والإحسان، والصبر. فإذا اجتمع الحق مع الرحمة، كان ذلك أقرب إلى هدي القرآن من أن يجتمع الحق مع القسوة.
#فكر #دين #أسرة #حوار #القرآن #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Leave a Reply