لماذا نكتب في زمن الصمت وعلوّ المدافع؟

صحيفة الهدف

✍🏽خالد ضياء الدين

لأن الكتابة هبة من الله، يعطيها من يشاء، وسيسأل عباده عنها، مثلما يسألهم عن أموالهم وصحتهم وفيما أنفقوها.

يعطيك الله صوتاً جميلاً أو ملكاً عظيماً، ثم يحاسبك: كيف استثمرت صوتك؟ وهل عدلت في حكمك؟ وكذلك يسأل أصحاب الأقلام وأهل التعبير: ماذا كتبتم؟ وما كان قولكم في كذا وكذا؟

  أحب أن ألقى الله راضياً مرضياً، مجيباً: يا خالق الكون ومالكه، يا الله، لقد كتب عبدك الفقير اليك، للعدالة وأنت العدل، ولعنت الح.رب وأنت السلام، وانحزت للفقراء الذين كان من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ…» (رواه الترمذي). وانت الذي فرضت علينا الذكاة والصدقات للفقراء والمساكين وأمرت بنصرهم والأخذ بيدهم.

كتبت عن أطفال بلادي الذين شرّدتهم الح.رب، وقت.لت بعضهم، وفرّقت بينهم وبين أسرهم، وحرمتهم من التحصيل والتعليم.

كتبت يا الله على نصل السكين، فالكتابة في زماننا هذا أزمة، لأن من أزمات الحكام أنهم لا يحتملون الرأي الآخر.

كتبت ونشرت، ولم تكن نيتي انتصاراً لذاتي، ولا لنظرة سياسية ضيقة لاترى ابعد من مرمى حجر، ولا لقبيلتي، وإنما أردت أن أرمي حجراً في بركة الظلم والدمار.

كتبت يا ربي ضد الجوع والعطش والغلاء، ولم أتلمّس إرضاء جهة، ولم أقبل درهماً ولا ديناراً، وقد انحزت بكلي إلى معشر الفقراء الذين يبيتون على جوع ويصبحون عليه، ولم يُنسهم ذلك أن يدعوك يا الله أن تفرّج همهم، وأنت القادر، ولك في ذلك حكمة تعلمها ولا نعلمها.

آلاف المقالات والتعليقات والأحاديث كتبتها، ولم أندم على واحدة منها، ولم أخشَ في الحق لومة لائم، لكني أمامك أخاف من الوقوع في شباك المعصية، بدعم مستبد أو البحث عن جاه أو اسم زائل، فكلنا ملاقيك في يوم الحساب.

نحن الذين امتحنتنا ووهبتنا القلم بدرجات متفاوتة؛ منا النابه الحاذق، والمجيد المبدع، وآخرون مثلي يتلمسون الخطى نحو كتابة مقبولة، تساهم ولو بالقليل في بث الوعي، ورفد المعرفة، وإنارة الطريق.

الكتابة روح المرحلة، والشاهد على تفاصيلها، وكل من أعطاه الله الوقت والموهبة عليه أن يسجل موقفاً للتاريخ والشعب، ولله من قبل ومن بعد.

قلمي اختار بلا تردد، وبلا عائد، لا مادي ولا معنوي حتى. اختار أن يكون مع أطفال يصرخون خوفاً من أزيز الطائرات وقصف القنابل. لا يهمني المنتصر ولا المهزوم، يهمني كيف تعود الطمأنينة إلى الأطفال، وكيف تعود رياضهم ومدارسهم.

    اختار كفكفة دموع الثكالى والأرامل والأيتام، وإدانة القاتل.

    اختار أن يكون مع الشيوخ الحفاة، الذين يغلبهم المشي لساعات طوال وأيام، هرباً من بطش جيوش لا ترحم كبيراً ولا طفلاً صغيراً، لا مع اصحاب الفارهات المكيفة، والياقات البيضاء والموائد المترفة.

   لغدٍ أفضل سننت قلمي، ولوطن غير مسبي، وإرادة غير ممنوعة.

فهل يا ترى سنفلح جميعاً حين يسألنا الله عن قولنا وما كتبته ايدينا، وقد قال رسوله الكريم:

«وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم».

نسأل الله الهداية والرحمة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.