بقلم: حاجة فضل كرنديس
عندما تنكشف عورات الإدارة المتردية وتبدأ روائح الفساد والإهمال بالتصاعد من أروقة وزارة التربية والتعليم السودانية؛ تجد قيادات الوزارة تمارس هوايتها الأزلية المفضلة وهي البحث السريع عن كبش فداء ليقدموا طاقم المحاسبة والمراجعة بكل من فيه من محاسبين ومراجعين على طبق من ذهب للإعلام والرأي العام لامتصاص الغـ.ـضب الشديد، وكأن الإطاحة بهؤلاء الموظفين كفيلٌ بإصلاح منظومة تهالكت من رأسها حتى قاعها.
إنني أعلنها صريحة وبلا ورع دبلوماسي بأني أتضامن مع كل كلمة وجملة وفكرة وردت في بيان لجنة المعلمين الصادر بهذا الخصوص، فهو يعبر بحق عن وجدان كل حريص على مستقبل التعليم بهذا البلد وبأبنائه، ويضع الأصبع مباشرة على الجـ.ـرح الغائر الذي يحاول مسؤولو الوزارة التغطية عليه ببيانات إنشائية وقرارات شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع .
دعونا نكون واضحين ولا نلعب لعبة التضليل الإعلامي التي يتقنها كبار المسؤولين، فنحن لا نبرئ طاقم المحاسبين والمراجعين الذين وجّهت الوزارة إليهم الاتهامات وقررت إقالتهم، فهم مدانون ومقصرون ولا ننزههم عن الخطأ أو التورط في هذا التردي المالي والإداري، من أخطأ أو تواطأ أو غمض عينيه من المحاسبين والمراجعين يجب أن ينال جزاءه العادل دون هوادة، ولكن هل هؤلاء المحاسبون هم المسؤولون الوحيدون؟ هل تحرك هؤلاء الموظفون في فراغ هيكلي أم أنهم كانوا مجرد أدوات لتمرير بيئة إدارية فاسدة ترعاها القيادات العليا وتتغاضى عنها ما دام المستور مستورًا ؟
إن تحميل المحاسبين والمراجعين وحدهم كامل الوزر واختزال الأزمة في قرار إقالتهم يعتبر تنصل من المسؤولية الوطنية والإدارية. إن قيادات وزارة التربية من أعلى هرمها إلى مستشاريها والقائمين على رسم سياساتها هم المسؤول الأول والأخير عن كل اختلال شهدته القطاعات التعليمية والمالية. هم من اعتمدوا الميزانيات وهم من وقّعوا على الصرف وهم من غضوا الأبصار عن تجاوزات الرقابة التي تراكمت عبر السنوات، وهم من اعتمدوا نظام المحسوبية في إدارة الملفات الحساسة.
كيف يُعقل أن يُطالب القائمون على الوزارة الشارع بتصديق حكايتهم الساذجة؟ حكاية أن مجموعة من المحاسبين والمراجعين استطاعوا اخـ.ـتراق وتـ.ـخريب منظومة كاملة دون علم أو توجيه أو إهمال جسيم من قيادتهم العليا؟ إذا كان كبار المسؤولين لا يعلمون بما يجري تحت توقيعاتهم ومسؤولياتهم المباشرة، فتلك مصيبة تعكس عجزًا قياديًا يستوجب الإقالة المباشرة. وإن كانوا يعلمون وسكتوا حتى وقعت الفأس في الرأس فالمصيبة هنا أعظم إذ تجعلهم شركاء أصليين مع المحاسبين والمراجعين في كل ما حدث وليسوا مجرد ضحايا لإهمال مرؤوسيهم!
إن سياسة وزارة التربية السودانية القائمة على إقالة المحاسبين والمراجعين وتقديمهم حطبًا لإطفاء حـ.ـريق الرأي العام، لم تعد تنفع اليوم، لأن وعي الشارع وتضامن لجنة المعلمين يتجاوزان بمراحل هذه الأساليب البائدة. بيان اللجنة لم يكن مجرد وجهة نظر؛ بل كان صرخة مدوية بأن لا لتجزئة العقاب ليحمي الكبار كراسيهم، ولابد أن تطال يد العدالة كل من تحوم حوله شبهة التقصير، بدءًا من القيادات العليا التي اعتمدت وأشرفت، وصولاً إلى المحاسبين والمراجعين المدانين الذين مرروا هذه المخالفات. ويجب التوقف الفوري عن حصر القضية في إقالة طاقم المحاسبة والمراجعة وحدهم؛ بل الاعتراف علنًا بالخلل الهيكلي والمؤسسي في إدارة الوزارة ككل، ومراجعة كافة القرارات والآليات الرقابية السابقة التي تمت في عهد هذه القيادات والتي أدّت بالتأكيد إلى الوصول إلى هذه النتيجة الكارثية.
إن إصلاح التعليم والرقابة على المال العام لن يبدأ بتنظيف الذيل وترك الرأس. إن تضامننا الكامل مع بيان لجنة المعلمين ينطلق من حرصنا على ألّا تمر هذه الأزمة كغيرها مجرد زوبعة في فنجان يُضحى فيها بـالمحاسبين والمراجعين ككبش فداء يُغطى به على الجناة الحقيقيين في قمة الهرم ثم يعود المسؤولون الكبار لممارسة هوايتهم في هدم ما تبقى من صرح التعليم.
وأبداً ما هنت يا سوداننا يوما علينا.

Leave a Reply