جنوب كردفان .. وإعادة إنتاج الأزمة

صحيفة الهدف

بقلم  البخيت النعيم

تقع ولاية جنوب كردفان بين خطي طول 12°27′ و32.5° شرقًا، ودائرتي عرض 11°59′ و12°36′ شمالًا. تُعتبر الولاية ضمن ولايات إقليم كردفان. الولايات المتاخمة لها هي شمال كردفان وغرب كردفان والنيل الأبيض وجنوب دارفور وأعالي النيل.

المساحة الجغرافية التي تضم جنوب كردفان  تُقدّر بـ 79,470 كلم مربع.

العاصمة الإدارية مدينة كادقلي، ومن مدنها الدلنج وأبو جبيهة وكاودا وأبو كرشولا وتلودي ورشاد وغيرها.

عدد سكان الولاية 1,066,117 نسمة.

المجموعات السكانية التي تعيش في الولاية هم قبائل النوبة والحوازمة والمسيرية وأولاد حميد وكنانة وبني فضل والكبابيش والبرقو والزغاوة والميدوب والبرقد، أيضًا توجد قبائل من شمال السودان وقبائل جنوبية.

تُعتبر ولاية جنوب كردفان من الولايات التي تم إهمالها من كافة الحكومات المتعاقبة في مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني، رغم أن الولاية غنية، حيث تمتلك ثروات وموارد كالإنتاج الزراعي والحبوب الغذائية، والصمغ العربي، وبها مشاريع زراعية بل منتجة للقطن، وأيضًا فيها ثروة حيوانية متنوعة، وبها معادن كالذهب والحديد، وقدمت كفاءات وطنية علمية وسياسية وثقافية، بل قدمت للقوات النظامية خيرة أبنائها، بل خرج منها مارشال الجيش السوداني.

واجه السودان الشمالي مخاطر انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة في 9 يوليو 2011م، والتي تشكّلت بحضور إقليمي ودولي شهده بعض الرؤساء الأفارقة وممثلو الدول الكبرى، على رأسها الصين والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومشاركة المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية وغيرها. ومن أبرز مخاطر انفصال الجنوب هو تنامي الميول الانفصالية في بعض أجزاء الوطن، لا سيما منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اللتين منحتهما اتفاقية نيفاشا 2005م وضعية خاصة ضمن شمال السودان، حقًا غامضًا اسمته المشورة الشعبية.

إن صنع سلام نيفاشا كان عملاً ثنائيًا جزئيًا بين شريكي نيفاشا والقوى الخارجية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فغياب القوى السياسية السودانية والمجتمعات المحلية القاعدية في المشاركة في حلول مناطقها من شأنه أن يصبح مصدرًا للتوترات السياسية والأمنية في غياب وضوح أي أفق لإشراك الجميع بشكل فاعل وموضوعي، وفي ظل القسمة التي يكرسها الاتفاق في هيمنة الشريكين وتقسيمهما لأرض وشعب السودان واحتكارهما للسلطة والثروة قبل وبعد 9 يوليو 2011م، الذي قسم الوطن إلى دولتين.

سيناريو المخطط الخارجي

فالذي يتابع نصوص وأهداف الاتفاقيات يجد أن الدور الخارجي فيها واضح، ويلاحظ المراقب أنها كانت تعبيرًا عن مصالح الوسطاء أو مصالح الشريكين، ولم نجد علاجًا جذريًا لتحديات السودان، فاتفاق نيفاشا كان عبارة عن هدنة امتدت لست سنوات أفضت لانفصال الجنوب، وتركت الباب مفتوحًا لصراعات ونزاعات مناطقية منها أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، مما يؤكد أن القوى الخارجية تسعى دومًا لإدامة التوترات التي تضمن لها حضورًا مباشرًا أو عبر المؤسسات الدولية ذات المعايير المزدوجة التي تديرها وتحركها وتمولها الدول الكبرى صاحبة حق الفيتو المطلق.

ولم نجد أن مشاريع المصالحات أو السلام المزعوم كانت عنصرًا إيجابيًا في خدمة السلام أو حقوق الإنسان، وهناك العديد من الأمثلة مثل فيتنام أو بريتوريا أو الكونغو أو زامبيا أو فلسطين أو العراق أو أفغانستان، فكل التدخلات الخارجية أدخلتها في مأزق، وظلت الدول باقية بغرض سرقة ثرواتها ودق إسفين الصراعات القبلية أو الطائفية أو العرقية.

ففي السودان لم تكن المؤسسات الدولية محايدة، وعلى رأسها بعثات الأمم المتحدة، فكمين أبيي الذي نُصب للقوات المسلحة وقُ.تل وفُقد فيه العشرات كان تحت مسؤولية بعثة الأمم المتحدة، وما يدور من ح.رب الآن في منطقة جنوب كردفان كان لأيادي الأمم المتحدة دور وعلم به، بل إن الذي يتابع حيثيات اتفاق سويسرا 2002م لمنطقة جبال النوبة، الذي صاغه السناتور جون دانفورث، قال فيه إن صراع منطقة الجبال صراع ديني وعرقي بين الإسلام والمسيحية وبين العرب والافارقة، وهذه الفرضية المزعومة يكذبها الواقع التاريخي والتعايش السلمي والتصاهر بين كافة مجموعات المنطقة.

فجنوب كردفان عبارة عن سودان مصغر، فيه كل المكونات الاجتماعية السودانية. كما يلاحظ المتابع أن بعض القنوات الإعلامية والبعثات الدبلوماسية الأوروبية موجهة، وأن هنالك مؤامرة من أجل زرع الفتنة بين المجتمعات المحلية وأبناء الولاية والإقليم. أيضًا يلاحظ أن التقارير الإخبارية مزيفة، تستهدف أن ما يجري من صراع في مناطق جنوب كردفان هو صراع ديني وعرقي، وهذا محض افتراء وتزييف. فحقيقة الصراع هو صراع سياسي اجتماعي في إطار الأزمة الوطنية الشاملة التي تشمل كافة مناطق السودان شرقها وغربها وشمالها وجنوبها.

بروتوكولات اتفاق نيفاشا كانت مفخخة، والمشورة الشعبية كانت بنودها غامضة، فضحتها حقائق الواقع الميداني والعملي من خلال تطبيق الاتفاقيات والبروتوكولات، أزمة في المصطلح في تفسيراته وتأويلاته ومرجعياته، وقد ظهر جليًا في بروتوكولات أبيي وملحقاته وتقرير الخبراء وخارطة الطريق وصولًا لتحكيم محكمة لاهاي، السياسي ولم يكن قانونيًا.

وأيضًا مصطلح المشورة الشعبية كمثال لأزمة لتحديد اتجاهات الحدث في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان، فقد خصتها اتفاقية نيفاشا ببروتوكولات مفخخة، فعلى الرغم من أن نصوص اتفاق نيفاشا تشير بوضوح إلى أن هاتين الولايتين جزء من شمال السودان، وأن البروتوكولات الخاصة والقوانين المعتمدة فيهما قد سمت العملية بالمشورة الشعبية وليست بالاستفتاء على حق تقرير المصير، إلا أن ما يدور داخل شركاء الاتفاق قبل 9 يوليو 2011م وبعدها من مفاصلة وصراع بين المؤتمر الوطني القابض في الشمال وقطاع الشمال التابع للحركة الشعبية يشير إلى وجود اختلافات وخلافات كبيرة فيما يتعلق بتطبيق البروتوكولات من انتخابات وترتيبات أمنية ومشورة شعبية.

حقًا اكتنف مصطلح المشورة الشعبية غموض، وتعددت التفسيرات، وهناك من يقول إنها تعني تحديد وجهات النظر في مسار الاتفاقية والبروتوكولات المعنية بالولاية، وهناك من شطح وقال إنها تعني تقرير المصير كما ذهبت لذلك الحركة الشعبية قطاع الشمال والجنوب معًا.

هذا الواقع ينذر بالخطر ويفتح أبواب الصراعات وكافة الاحتمالات الخطيرة التي يمكن أن تنال من وحدة البلاد، خاصة مع نتيجة الاستفتاء التي أفضت لفصل الجنوب عن الشمال، والمصير المجهول للولايتين من حيث العلاقات المزدوجة مع الشمال والجنوب الذي تتبع له الحركة الشعبية قطاع الشمال، الذي لا يزال يعيش لبسًا مع قيادة الحركة الشعبية المركزية في جوبا.

علينا أن نكون واقعيين وموضوعيين وعمليين في التعريف الحقيقي لمفهوم المشورة الشعبية باعتبارها سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية يتم عبرها إشراك الشعب في معالجة المشكلات التي يعاني منها، وهي أحد المفاتيح الإجرائية لقياس اتجاهات وميولات الرأي العام في منطقة ما في شأن من الشؤون العامة، وتهدف المشورة الشعبية إلى تحقيق الشفافية وإشراك المواطنين في المشروعات الكبيرة ووضع القوانين والسياسات عبر تبادل المعلومات والأفكار وتحمل المسؤولية الجماعية.

وتأتي أهميتها من كونها تقلل من احتمالات العنف والتنازع الذي يمكن أن ينشأ بين الحكومة والمواطنين حول قضايا الحكم، إلى جانب أنها توفر المعلومات المتاحة بغرض تحليلها وتصنيفها وتقدير التوقعات المحتملة، بما يساعد على صناعة القرار الرشيد، علاوة على أنها تزيد معدلات الشفافية وتساعد في اكتشاف النظر الثاقب وكذلك الأفكار البديلة لأولئك المتأثرين بالأحداث والحروب.

أقول لو تم تطبيق المشورة الشعبية بمشاركة القاعدة الشعبية في جنوب كردفان لتجاوزنا الح.رب والاق.تتال، التي أُعيد إنتاجها بشكل أبشع وأخطر وممنهج. فالح.روب التي شهدتها ولاية جنوب كردفان دفع ثمنها المواطنون من ق.تل وتشريد ونزوح ولجوء، بل أثرت على المشاريع الخدمية والتنموية خاصة الزراعية والرعوية والتعليمية.

معارك بلا أفق… وقف الاقت.تال واجب وطني وإنساني

دخلت الح.رب في جنوب كردفان بين القوات النظامية (الجيش) وقوات الحركة الشعبية المسلحة شمال التي يترأسها عبدالعزيز الحلو   وقوات الدع.م السريع عامها الرابع، وهي ح.رب بين جيوش نظامية، وكل المؤشرات تشير إلى إمكانية استمرارها وإعادة إنتاج ح.روب الجبال التي استمرت سنوات، واحتمال أنها تمشي على خطى ح.رب الجنوب ودارفور والشرق والنيل الازرق وأبيي.

كما نلاحظ رغم المناشدات والدعوات الوطنية والإنسانية والاتحاد الإفريقي بضرورة وقف إطلاق النار وفتح المجال أمام الحوار والحل السلمي لنزاع جنوب كردفان، والذي فُجّر تاريخيًا في حقبة نظام الإنقاذ نتيجة الانتخابات التكميلية والتشريعية وانتخاب الوالي، وكان يمكن حل الصراع حول السلطة بالحوار وإشراك القوى السياسية الوطنية وأهل الحكمة والمشورة والرأي.

لكن يبدو أن هنالك أجندات داخلية وخارجية دفعت شريكي السلطة في الولاية بإدخال المنطقة والوطن في نفق مظلم وإدارة معركة بلا أفق وبلا هدف. فأية هجمة وأية قيادة راهنت عليها الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني بولاية جنوب كردفان، وحتى الاتفاق الإطاري الذي تم في أديس أبابا، الذي وقع عليه دكتور نافع علي نافع رئيس المؤتمر الوطني ومالك عقار رئيس قطاع الشمال للحركة الشعبية وبحضور الوسيط الإفريقي ثامبو أمبيكي، قد فشل بنكوص الطرفين عنه.

فمن طرف الحركة الشعبية لم يعتمده عبد العزيز الحلو رسميًا، مثلما تنصل عنه المؤتمر الوطني، بل قادت تيارات داخل المؤتمر الوطني هجومًا شديد اللهجة، على رأسها أعضاء في المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، الذي رفض الاتفاق، حيث كان لحديث رئيس الجمهورية عمر البشير بالدويم القول الفصل بأنه لا يرضى أي اتفاق خارج الوطن بعد 9 يوليو 2011م، في إشارة واضحة لاتفاق الترتيبات السياسية والأمنية في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق الذي وقع في إثيوبيا.

وكرد فعل لذلك رفض قادة الجيش تسليم أسلحتهم إلا وفق اتفاق سياسي وأمني بجانب اتفاق أديس أبابا الإطاري، معبرين عن استعدادهم لخوض معارك الح.رب، كما لوّح قادة قطاع الشمال خلال مؤتمر صحفي عقدوه في الخرطوم قبيل توجههم لإثيوبيا للمشاركة في جولة مفاوضات لم تتم بأنهم سيوسعون الح.رب الدائرة في جنوب كردفان لتشمل مناطق أخرى.

حقًا الواقع السياسي الكسيح في ظل نظام الإنقاذ وتحالفاته الهشة أربك حسابات الأطراف المتنازعة إزاء الح.رب غير المحسومة، مثلما يمثل التحدي الذي يمثله الواقع في النيل الأزرق والخلافات الداخلية في المؤتمر الوطني وقطاع الشمال منزلقًا خطيرًا، ويجعل استمرار الح.رب لا سقف لها، وسيفاقم حالة الأزمة الوطنية الشاملة التي تعيشها البلاد، فضلًا عن تداعيات انفصال الجنوب، خصوصًا في الجانب الاقتصادي والزراعي والرعوي والأمني والحدودي.

ومعروف أن ولاية جنوب كردفان ولاية حدودية بين الشمال والجنوب، ولها نصيبها في عائدات النفط.

إن حالة العجز التي يعاني منها الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في مواجهة مشكلات البلاد قد تدفع أطرافًا كثيرة لإنتاج الأزمات في مناطق أخرى.

على أطراف الصراع المحتدم في جنوب كردفان وقف الاقتتال ووقف إطلاق النار احترامًا للنداءات الوطنية ولاحتواء المأساة الإنسانية التي أوجدتها الحرب. علينا احترام حقوق آلاف المواطنين الذين هُجّروا من مساكنهم وتحولوا إلى نازحين، وآلاف الطلاب والطالبات الذين هجروا مدارسهم وجامعاتهم. علينا نبذ العنف كطريق لتسوية المشكلات القائمة في المنطقة واعتماد الحوار طريقًا وسبيلًا لحل أزمة جنوب كردفان.

إن استمرار القتال لن يؤدي إلا لمزيد من القتال والدمار الذي سيلحق بالولاية وبنيتها التحتية وإنسانها. علينا تجنيب الولاية والوطن المخططات الخارجية التي تعمل من أجل تدويل شأن ولاية جنوب كردفان وجعلها منطقة وصاية دولية تحت بند الفصل السابع وغيره.

فما حدث في منطقة أبيي وتدخل مجلس الأمن في شأنها وإرسال 4200 جندي أجنبي إثيوبي وجعلها تحت الوصاية الدولية ينبغي ألا يتكرر في مناطق الجبال، وحتى لا تُفرض حلول خارجية للنزاع الداخلي بدولة السودان الشمالي.

علينا ابتداع حلول مقبولة متوازنة لقضايا البلاد تأخذ في الاعتبار مصالح الشعب لا مصالح المتشبثين بكراسي السلطة وتجار الح.رب الذين صنعوا ح.رب 15 أبريل 2023م العبثية التي دمرت البنية التحتية والتنموية في السودان وساهمت في نزوح ولجوء الملايين من أبناء وبنات شعبنا.

مشكلة جنوب كردفان، كما هي مشكلة دارفور والشرق  والنيل الازرق وابيي، هي مشكلة السودان. علينا معالجتها برؤية وطنية وبمشاركة الجميع في إطار إعادة تأسيس سودان جديد، دولة تعتمد نظام حكم الدولة المدنية الديمقراطية وحقوق المواطنة والتنوع الثقافي والحرية والعدالة والمساواة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.