بقلم /حاجة فضل كرنديس
في مشهد بائس يختصر عمق القاع الذي هوت إليه دولة القانون شهدت مدرسة التدريب النموذجية بنين بمحلية كرري ج.ريمة مكتملة الأركان إذ أقدم ولي أمر تلميذ وهو ضابط برتبة فريق بالجيش ومعتمد سابق، وفقاً لبيان – لجنة المعلمين السودانيين – على صفع معلم وضربه وإشهار السلاح في وجهه وتهديد الحاضرين في استعراض فجّ للقوة الصريحة داخل حرم مخصص لتربية الأجيال.
أي بؤس هذا الذي ينزل فيه رجل يحمل رتبة رفيعة ليمارس البلطجة المسلحة على معلم أذلّته الظروف وما استسلم؟ المعلم السوداني الذي يقف اليوم على خط النار و يعمل في أسوأ بيئة خلقتها الح.رب العبثية اللعينة ويُغرس في طين المسغبة براتب لا يسمن ولا يغني من جوع، إضافة لمتأخرات مالية مجمدة منذ عام 2023 ! بدلاً من أن تُحني القامات إجلالاً لهذا الصمود الخرافي الذي يبقي شعلة العلم متقدة وسط الركام، يُقابل هذا العطاء بالإهانة والصفع والترويع بالسلاح أمام إنسانية أطفاله وتلاميذه وزملائه،
إن هذه الفاجعة ليست مجرد اعتداء فردي بل هي إعلان صارخ عن عسكرة الحياة العامة وسقوط هيبة الدولة أمام منطق الغابة والنفوذ.
عندما يتوهم مسؤول سابق أن رتبته تمنحه حصانة لصفع المربين وتهديدهم بالسلاح فهذا هو التعريف الدقيق للانهيار الأخلاقي والمؤسسي . ويتبادر سؤال يطرح نفسه
أي جيل نربيه عندما يشاهد طفل أستاذه يُهان ويُقهر بالسلاح دون أن تتحرك سلطة لإنقاذه ؟ إن استغلال فقر المعلم وضعف حيلته لممارسة القهر هو انحطاط تربوي ونكسة مجتمعية لا يمكن السكوت عنها.
إن البيان الاستنكاري للجنة المعلمين يمثل خط الدفاع الأخير . إن مطالب المعلمين تتجاوز التنديد وانتزاع الحقوق فقط بل يجب أن يطالب الجميع بالقصاص القانوني وتقديم هذا الفريق المتقاعد للمحاكمة العادلة وتجريده من أي حصانة وهمية فالقانون إما أن يسري على الجميع أو يتلاشى للجميع.
كذلك تطهير المدارس من الس.لاح وإعلان الحرم المدرسي خطاً أحمر يُحظر اقتراب الس.لاح منه تحت أي ذريعة وحمايته بقوة القانون إن وجد. ثم رد الاعتبار الشامل للمعلم وحماية كرامة الأطقم التعليميةوصرف حقوقهم المالية المتأخرة فوراً، فالجوع مع الإهانة صاعان لا يحتملان.
إن المعلم الذي يتضور جوعاً منذ 2023 ليُعلم أبناءنا يجب أن لا يُجازى بكاتم الصوت وشبّاح القوة، إن عدم محاسبة المعتدي في هذه الج.ريمة هو إذن رسمي باستمرار عصر الفوضى المطلقة وقطع لما تبقى من عروق الوطن.
عجبي !

Leave a Reply