د. منال مختار
تدرجت أزمة الح.رب العبثية في السودان إلى أن وصلت إلى حيز ( مركز الثقل) .
وكنا قد نبهنا في كتابات سابقة إلى هذا الأمر منذ انتقال المفاوضات إلى جنيف، وأوضحنا إن هذا الانتقال هو بداية لتدويل الأزمة السودانية، وأشرنا إن تفادي هذا الأمر يكون بجلوس طرفي الق.تال إلى طاولة التفاوض تفاديًا لشعاب التدويل، ولكن تعنت قادة الجيش السوداني وضيق الأفق التفكيري لديهم حال دون ذلك وأتاح الفرصة للتدويل الذي أوصل حل الأزمة إلى حيز ( الثقل) بمعنى أن يكون مركز الثقل هو قاعدة ومنطلق الحل.
ولا أقصد بذلك مركز ثقل طرفي الق.تال بل أقصد مركز الثقل الدولي الذي يتخذ من المحيط الإقليمي للسودان أداة له، وما الرباعية والخماسية وغيرها من الآلية إلا أدوات استخدام لترجيح الثقل.
والتدويل هو أداة اختبار لمعرفة نوع الحل وطببعته، والتدخل هو واحد من هذه الأنواع، وأعني به التدخل في شؤون الدولة…… والتدخل له فرضياته، مثلاً إذا كان هنالك دولة ليس لها حكومة قادرة على إدارتها وتأمين سيادتها، وحدث فيها (تمرد) أدى إلى نشوب ق.تال وكانت حكومة هذا البلد إحدى طرفي النزاع، يلزم في هذه الحالة خلق مرتكزات تفاعلية لإيجاد ( نظام) يتعامل مع هذه الأزمة واستبعاد حكومة البلد كونها أحد طرفي الصراع، ولايمكن أن يأتي منها الحل.
والحكومة الانقلابية في السوداني هي طرف وسبب في هذه الأزمة لذا فإن الأمر في هذه الحالة يحتاج إلى ما يعرف بظاهرة (النفوذ النظامي) كآلية للحل. وإذا وضعنا الطرح الافتراضي جانبًا ونظرنا إلى الجانب الواقعي في ح.رب السودان نجد أنها في بعدها الأولي صراع بين قوات “الدعم السريع” وقيادة الجيش السوداني، وهي في ذات الوقت تمرد “فالدعم السريع” متمرد على النظام البائد، وقيادة الجيش السوداني متمردة على ثورة ديسمبر. وباستمرار الح.رب اتضح أن طرفي الق.تال ليسوا سوى أدوات لمطامع على المستوى الإقليمي والجوار … ومع تطورها أكثر اتضح أيضًا أن الوسط الإقليمي والجوار ليسوا سوى أدوات لصراع القوى العظمى.
وهكذا تطورت ح.رب السودان مثلها مثل قطعة حجر قذف بها في بركة ماء فتشكل إثر السقوط دائرة ضيقة ما لبست في التوسع نتيجة رد فعل لسقوط الحجر ونتج عن ذلك دوائر متعددة ومتداخلة.
والآن أزمة السودان بسبب التطور تتسم بتعدد الوحدات السياسية، “فالدعم السريع” بعد ( تأسيس) يعتبر وحدة سياسية، وحكومة الانقلاب وحدة سياسية والوسط الإقليمي وبعض دول الجوار وحدة سياسية، والقوى العظمى وحدة سياسية، وجميع هذه الوحدات تتنوع فيها الأنظمة والغايات فالوسط الإقليمي ودول الجوار غايتهم مصلحتهم والدول العظمى غايتها ما يبقيها على قمة الهرم، وتنوع المصالح والغايات هي تلك الدوائر التي أحدثها سقوط الحجر في بركة الماء.
وهذا الوضع يتطلب أنواع متعددة من النفوذ حسب ( الثقل) بآلية التدخل، وفي حالة السودان لن يكون تدخل النفوذ تدخل نظامي بل سيكون تدخل (عقابي) يتخذ من الضغط أسلوب لتأمين مصالحه، وتكون ممارسة الضغط عبر وسائل نظامية وهذا واحد من صور ( الاحتلال) لأن هذه الآلية تعمل على رفع مصالح الدول المتدخلة فوق مصالح السودان وتجريده من نفوذه النظامي وسيادته.
إن اجتماع لجنة الشؤون الخارجية لمجلس الشيوخ الأمريكي هو اجتماع لمناقشة نوع وطبيعة التدخل النفوذي في السودان سيما وأننا من دول العالم الثالث الذي يمنحهم شرعية التدخل ويضعنا تحت الوصاية المباشرة أو غير المباشرة.
ودمتم سالمين.

Leave a Reply