الانتفاضة الفلسطينية واتفاق أوسلو… كيف أعادت التحولات الميدانية رسم الخريطة السياسية للكيان الص.هيوني الغاصب الجزء الرابع

صحيفة الهدف

  : بقلم : ماجد الغوث

لم تكن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 1987، مجرد حدث ميداني غيّر طبيعة الصراع، بل كانت نقطة تحول عميقة في الوعي السياسي داخل الكيان الص.هيوني الغاصب. فقد كشفت الانتفاضة، التي اتسمت في بداياتها بطابعها الشعبي الواسع، أن إدارة الأراضي المحتلة ليست مسألة أمنية فحسب، وإنما قضية سياسية واجتماعية وإنسانية ذات أبعاد معقدة تهدد بنيان الاحتلال. وأصبح الرأي العام الاستيطاني أكثر انقساماً حول كيفية التعامل مع المقاومة الفلسطينية، بين من رأى أن تشديد الإجراءات البوليسية والبطش هو السبيل الأمثل، ومن اعتبر أن استمرار الصراع يفرض البحث عن مخرج سياسي يحفظ أمن الكيان.

وفي خضم هذه التطورات، دخل الكيان الص.هيوني الغاصب انتخابات عام 1988 وسط أجواء اتسمت بسيطرة الملف الأمني على النقاش العام. وبرزت خلال تلك المرحلة اختلافات بين الأحزاب بشأن مستقبل الأراضي المحتلة، إلا أن القضايا الأمنية ظلت حاضرة بقوة في الحملات الانتخابية، مع استمرار التأكيد على حماية أمن الدولة المصطنعة، وإن اختلفت الرؤى حول الوسائل القمعية المناسبة.

ومع نهاية الح.رب الباردة، واندلاع ح.رب الخليج الأولى عام 1991، شهد الإقليم تغيرات استراتيجية واسعة. وأسهمت هذه المتغيرات، إلى جانب الضغوط الدولية، في تهيئة المناخ لانطلاق مؤتمر مدريد للسلام، الذي فتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين الكيان وعدد من الأطراف العربية، بما في ذلك الوفد الفلسطيني ضمن إطار مشترك آنذاك.

وفي انتخابات عام 1992، عاد حزب العمل إلى السلطة بقيادة إسحق رابين، حاملاً برنامجاً يقوم على الجمع بين القبضة الأمنية والانخراط في عملية تسوية سياسية مراوغة. وانطلقت في عهده المفاوضات السرية التي أفضت إلى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، الذي مثّل تحولاً كبيراً في مسار الصراع، إذ اعترف الكيان بمنظمة التحرير الفلسطينية، واعترفت المنظمة بحق الكيان في الوجود، واتفق الطرفان على إطار مرحلي لإدارة المرحلة الانتقالية.

أثار الاتفاق انقساماً حاداً داخل المجتمع الاستيطاني. فقد رأى مؤيدوه أنه قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية تقلل من حدة الصراع وتضمن أمن المستوطنين، بينما اعتبره معارضوه من تيارات اليمين تنازلاً خطيراً يمس المصالح القومية للكيان. وبرزت في تلك المرحلة احتجاجات واسعة من التيارات اليمينية والدينية المتطرفة، التي عارضت أي انسحاب من الأراضي المحتلة أو أي اعتراف بحقوق سياسية للفلسطينيين.

بلغ هذا الانقسام ذروته باغ.تيال رئيس الوزراء إسحق رابين في نوفمبر/تشرين الثاني 1995 على يد متطرف يهودي، في واحدة من أكثر الحوادث تأثيراً في التاريخ السياسي للكيان. فقد كشف الاغ.تيال حجم الاستقطاب الداخلي، وأظهر أن الخلاف حول مستقبل الصراع لم يعد مجرد خلاف بين أحزاب، بل أصبح يمتد إلى داخل المجتمع نفسه، حيث تتصارع رؤى متباينة حول طبيعة المشروع الصه.يوني.

وجاءت انتخابات عام 1996 في ظل هذه الأجواء المشحونة، وفاز فيها بنيامين نتنياهو بفارق ضئيل، مستفيداً من حالة القلق الأمني ومن الانتقادات العنيفة التي وُجهت إلى مسار أوسلو. ومنذ تلك اللحظة، بدأ يتبلور نمط سياسي يقوم على الربط الوثيق بين الأمن والانتخابات، بحيث أصبحت التطورات الميدانية تؤثر بصورة مباشرة في اتجاهات التصويت وفي طبيعة الخطاب الحزبي العدواني.

ورغم استمرار العملية السياسية خلال فترات لاحقة، فإنها واجهت عقبات متكررة، وتراجعت الثقة المتبادلة مع تصاعد أعمال العنف وقمع المقاومة وتوسع النشاط الاستيطاني واستمرار الخلافات حول قضايا الوضع النهائي، مثل القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات.

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر/أيلول 2000، دخل الصراع مرحلة جديدة اتسمت بارتفاع مستوى المواجهات المسلحة واتساع العمليات العسكرية الوحشية للكيان في الضفة الغربية وقطاع غزة. وانعكس ذلك بصورة واضحة على المشهد السياسي داخل الكيان الص.هيوني الغاصب، حيث تعزز حضور الخطاب الأمني المتطرف، وازدادت شعبية القوى التي ركزت على أولوية القمع والإجراءات العسكرية، في حين تراجع تأثير التيارات التي دعت إلى مسار التسوية المزعومة.

كما أدت تلك المرحلة إلى إعادة ترتيب أولويات الناخب الاستيطاني، الذي بات يمنح وزناً أكبر لقضايا الأمن والاستقرار الوهمي في ظل تصاعد المواجهات. وأسهم ذلك في صعود قيادات وشخصيات سياسية قدمت نفسها باعتبارها الأقدر على إدارة التحديات الأمنية بالحديد والنار، بينما واجهت الأحزاب المؤيدة للتسوية صعوبة متزايدة في الحفاظ على حضورها الانتخابي.

ومنذ مطلع الألفية الجديدة، أصبحت العلاقة بين التطورات الميدانية والانتخابات أكثر وضوحاً. فكل جولة تصعيد أو عملية عسكرية أو عدوان واسع كانت تترك أثرها في موازين القوى بين الأحزاب، وفي تشكيل الحكومات الائتلافية الفاشية، وفي إعادة صياغة الخطاب السياسي داخل الكيان. وهكذا، لم تعد الانتخابات مجرد منافسة على إدارة الشأن الداخلي، بل غدت ساحة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والعدوانية بصورة يصعب الفصل بينها.

ولذلك، فإن فهم المرحلة الممتدة من الانتفاضة الأولى حتى الانتفاضة الثانية يظل ضرورياً لفهم التحولات اللاحقة، إذ إنها أرست كثيراً من السمات التي ستطبع الحياة السياسية للكيان خلال العقدين التاليين، بما في ذلك صعود اليمين المتطرف، وتزايد تأثير الأحزاب الدينية والقومية، واستمرار مركزية قضايا الأمن والاحتلال في الحملات الانتخابية وصنع القرار السياسي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.