قلم ،،يوسف الغوث
يظل القرآن الكريم نسيج بياني معجز تترابط فيه الألفاظ اللغوية مع الحقائق الغيبية والكونية لتشكل رؤية شاملة وعميقة للوجود الإنساني من بدئه إلى منتهاه
ومن أعمق هذه الروابط الدلالية تلك العلاقة الممتدة بين طبيعة الماء وسيلانه في الدنيا وموقع عرش إبليس الإفسادي وبين التعبير عن يوم القيامة بلفظة (مرساها) في رحلة بيانية مذهلة تبدأ من اضطراب الأمواج والفتن وتنتهي عند شاطئ العدل والثبات المطلق
تقدم النصوص الشرعية رؤية عميقة للحياة الدنيا مستوحاة من طبيعة البحار والمياه باعتبارها بيئة خصبة للاضطراب والقلق فالماء يمثل لغوياً وحسياً رمزاً للسيولة والحركة الدائمة وعدم الاستقرار والدنيا متقلبة بأحوالها مائجة بفتنها كأمواج البحر اللجي العاتي، ويسير الإنسان في هذه الحياة كراكب سفينة تمخر عباب بحر الشهوات والشبهات في رحلة محفوفة دائماً بمخاطر الغرق الإيماني وتتطلب يقظة ومجاهدة مستمرة لبلوغ بر الأمان وتجري الأعمار والأعمال فيها وتتغير كالجريان المائي.. فالإنسان يملك فرصة التغيير والخيارات لم تتجمد بعد ،،وفي وسط هذا البحر الدنيوي المضطرب كشفت السنة النبوية عن المركز الإداري للشر في العالم إذ روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه وفي رواية أخرى إن عرش إبليس على البحر …
يظهر من فلسفة اختيار إبليس لبناء عرشه ومملكته فوق هذا الوسط المائي المائج رغبته العارمة في المحاكاة والكبر مضاهاة لصفة عرش الرحمن قبل خلق الكون حيث قال تعالى (وكان عرشه على الماء) ،،بالإضافة إلى طبيعة المكان فالبحار مساحات شاسعة خالية من الإعمار الآدمي وهي البيئة المفضلة للشياطين لإدارة سرايا الفتن وإحداث الاضطراب في حياة البشر ومن أعظمها التفريق بين الزوجين لتهتز أركان الأسرة التي هي نواة المجتمع وثباته
هنا تدخل الجبال في المعادلة الكونية واللغوية كعنصر توازن محوري في مواجهة هذه السيولة والاضطراب فالله عز وجل خلق الجبال وجعلها رواسي تثبت الأرض وتمنعها من الميدان والاضطراب فوق الأوساط المائية السائلة في باطنها كما قال تعالى( والجبال أرساها) ليصنع ميزاناً حسياً للأرض يمنع تزلزلها وسط البحار والمحيطات….
إن هذا الربط اللغوي العجيب باستخدام جذر رسا للجبال وللقيامة يبين أن الذي أرسى الجبال ليحفظ توازن الكون المادي هو نفسه الذي حدد للقيامة مرساً ثابتاً ليتحقق به ميزان العدل المعنوي والأخير وحين سأل المشركون عن موعد الساعة تهكماً واستبعاداً قال تعالى( يسألونك عن الساعة أيان مرساها) واختيار لفظ مرساها يحمل دلالات حاسمة تفكك علاقة الماء والاضطراب بالقيامة والثبات فأولها انتهاء زمن السيولة والاضطراب.. فاللفظ مشتق من رسا يرسو وهو ثبات السفينة واستقرارها في الميناء بعد رحلة البحر القلقة
أما حلول القيامة فهو إرساء للوجود كله حيث تتوقف حركة الدنيا وصخبها وتسكن الخلائق تماماً ،،لتبدأ مرحلة الحساب وتتجمّد خيارات الإنسان وينقطع العمل ثم تتحول الأحوال من الجريان والتغير إلى الثبات والخلود المطلق،،
إن حلول المرسى هو بمثابة إخراج السفينة البشرية من وسط الأمواج والبحار التي يسيطر عليها إبليس ووضع الركاب على أرض المحشر المستقرة لبدء محاكمة الجميع …
تتضح الحقيقة المطلقة في القيامة من خلال تقابل كوني مهيب ينتهي بدمار البيئة المائية لإبليس،، فبمجرد النفخ في الصور تصيب البحار تغيرات كونية مرعبة قال تعالى (وإذا البحار سجرت) أي أوقدت ناراً وقال( وإذا البحار فجرت) وبتحول الماء إلى نيران مستعرة يتدمر عرش إبليس العائم تماماً وتنتهي المهلة الممنوحة له بانتهاء وسط الفتنة المائي ويُسحب مع جنوده ذليلاً إلى جهنم فكبكيبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون ..
وفي اللحظة التي يزول فيها عرش إبليس المائي المزيف تندك الجبال الراسية وتسير وتتحول إلى هباء منبث بعد أن أدت وظيفتها في تثبيت الأرض الدنيوية ليبرز في مقابل ذلك كله عرش الرحمن العظيم والراسخ فوق الرؤوس يحمله الملائكة الأطهار (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)
فاذا أضفنا إلى هذا كله البعد الفلسفي والتكاملي بين المادي والميتافيزيقي نكتشف أن النسيج القرآني لا يقف عند حد البلاغة اللفظية بل يتعداها إلى رسم نظام كوني موحد لا يفصل بين سنن المادة الفيزيائية وسنن الغيب الميتافيزيقية بل يجمعهما في جذر لغوي واحد هو رسو …
ففي عالم الشهادة المادي نرى أن الجبال ليست كتلًا حجرية عشوائية بل هي جذور وتوازنات تغوص في باطن الأرض تثبتها فوق الوشاح المائع المنصهر وتمنعها من التمايل والاضطراب وهذا هو الإرساء الفيزيائي ،،قوة ثقل تعادل قوة السيولة لتنتج الاستقرار
كما قال تعالى (والجبال أرساها) أما في عالم الغيب الميتافيزيقي فيأتي يوم القيامة ليكون المعادل الأخلاقي لهذا التوازن الفيزيائي
إن الكون المادي لو ترك دون مرسى أخروي لأصبح عبثاً يموج بالظلم دون حساب لذلك حين يقول تعالى (أيان مرساها )فهو يخبرنا أن هناك جاذبية إلهية ستجذب حركة البشرية المائجة نحو محطة التوقف النهائي، حيث يستقر الميزان الإلهي وتُقلب الموازين لتتحقق العدالة المطلقة التي يعجز الفضاء المادي عن تحقيقها
من هذه الزاوية نقرأ المشهد الكوني كمعادلة متكاملة بين الأضداد فالماء بسيولته المادية يمثل حركة الدنيا والفتن وتقلب الأقدار وهو الوسط الذي يبني عليه إبليس عرشه أما الجبال بثباتها المادي فتمثل التوازن الحسي الذي أودعه الله في الأرض ليستمر بها البشر في اختبارهم وكأنها مرساة الطوافان الدنيوي
وأما يوم القيامة بثباته الغيبي الميتافيزيقي فهو الجبل الأكبر والأعظم في عالم المعاني حيث تنتهي سيولة الأسباب المادية ويثبت الإنسان أمام حقيقة مطلقة لا تقبل التغير،،، الجنة أو النار والخلاصة الفلسفية من هذا كله أن القرآن يقدّم لنا نظرة توحيدية للوجود فالخالق واحد ومن وحدته أن قوانينه في الجبال فيزياء هي ذاتها قوانينه في القيامة ميتافيزيقا فكما أن الجبل يستقر بقوة جاذبية باطنية فإن النفس البشرية لا تستقر إلا بجاذبية الإيمان باليوم الآخر وكما أن للأرض مراسيها التي تحفظها من الزلزال فللأرواح مرساها الذي يحفظها من التيه والضياع وهو الاستعداد للقاء الله
فإذا كان الماديون يعتقدون أن الكون مجرد كتلة صماء تحكمها الجاذبية والحركة،،، والغيبيون يعتقدون أن الروحانيات منفصلة عن المادة فإن الرؤية القرآنية التي حاولت جمع خيوطها هنا تنسف هذا الفصل المزعوم فالجبال مرسى للأرض والقيامة مرسى للزمن والعمل وعرش الشيطان يُدار على الماء ليوهمنا أن السيولة أبدية إلا أن الحقيقة المطلقة التي نستنتجها أن المادة تنتهي إلى غيبها والغيب يثبت بحقيقة المادة
فلا يُفهم ثقل الجبال إلا بإدراك ثقل الساعة ولا يُفهم اضطراب البحر إلا بتذكر سكون المحشر والإنسان في منتصف هذه المعادلة هو الكائن الوحيد الذي يُرى جسده المادي يتقلب في الدنيا بينما روحه الميتافيزيقية ترسو في قلبه بالإيمان
فلنعمل على أن تكون أعمالنا كالجبال راسيةً لا تميد ونفوسنا كالماء الجاري في طاعة الله لا في أمواج الشيطان فإن مرسى الجميع قادم لا محالة وهناك سيُعرف من كانت سفينته ثقيلة بالتقوى ومن كانت خاوية من العمل الصالح لتستقر بهم عند مليك مقتدر حيث يتلاشى الفرق بين المادي والميتافيزيقي ويبقى الظفر لأهل الإحسان….
اللهم أحسن عاقبتنا …

Leave a Reply