د. سلمى نايل
لم تنتهِ الح.رب عند توقف أصوات الرصاص، بل بقيت آثارها تسكن القلوب والبيوت. ومن أكثر الفئات تأثرًا بذلك الفتيات، اللواتي وجدن أنفسهن يواجهن واقعًا جديدًا تحكمه المخاوف والقلق والحرص الزائد من الأسرة.
فوالدان اللذان عاشا أهوال الح.رب أصبحا يخشيان على بناتهما من كل شيء؛ من الخروج، ومن الدراسة، ومن العمل، ومن الاختلاط بالمجتمع. ورغم أن هذا الحرص نابع من الحب والخوف، إلا أنه قد يتحول إلى قيد يحرم الفتاة من بناء شخصيتها واستعادة حياتها الطبيعية.
وتعيش كثير من الفتيات صراعًا نفسيًا صامتًا؛ فهناك من فقدت صديقة أو قريبًا، ومن شهدت مشاهد مؤلمة لا تغيب عن ذاكرتها، ومن أصبحت تخشى الأصوات المرتفعة أو التجمعات، ومن فقدت الثقة في المستقبل. وقد تظهر هذه المعاناة في صورة قلق دائم، أو حزن، أو عزلة، أو خوف من اتخاذ القرارات، أو تردد في خوض تجارب جديدة.
ومواجهة هذه الآثار تبدأ داخل البيت. فالفتاة تحتاج إلى أسرة تستمع إليها قبل أن تنصحها، وتحتوي مشاعرها قبل أن تحاسبها، وتمنحها الثقة تدريجيًا بدلًا من إحاطتها بالخوف المستمر. كما أن تشجيعها على العودة إلى الدراسة، أو تعلم مهارة، أو المشاركة في الأعمال التطوعية، يعيد إليها الشعور بالقدرة والأمل.
ومن المهم أيضًا أن تدرك الفتاة أن ما تشعر به بعد تجربة الح.رب ليس ضعفًا، بل استجابة إنسانية لتجربة قاسية. والحديث مع شخص موثوق، وممارسة الأنشطة المفيدة، والمحافظة على العبادة والدعاء، وبناء علاقات اجتماعية آمنة، كلها وسائل تعينها على استعادة توازنها النفسي.
إن بنات اليوم هن أمهات الغد وصانعات المستقبل. فإذا أردنا مجتمعًا معافى بعد الح.رب، فعلينا أن نمنح فتياتنا الأمن، والثقة، والفرصة ليعشن حياةً كريمة، لا أن يبقين أسيرات الخوف الذي خلفته سنوات النزاع.
فمن داخل البيوت يبدأ التعافي الحقيقي، وحين تُزرع الطمأنينة في قلب فتاة، يزهر بها مستقبل أسرةٍ ووطن.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_سلمى_نايل #بنات_ما_بعد_الحرب #من_داخل_البيوت

Leave a Reply