د. توتا صلاح مبارك
“أقول ليها عويناتك ..
ترع لولي
و بحار ياقوت
مناحات ريد حزاينية
بغازل فيها مآساتي
وفي شرف العبور ليها
بموت واكسر شراعاتي
أغنية «عويناتك»، إحدى روائع الموسيقار محمد الأمين،
و أبدع كلماتها الشاعر الدكتور مبارك بشير،
ظلت تحيط بهذه القصيدة رواية جميلة ، تتداولها الأوساط الثقافية ، إن الشاعر كتبها في إحدى زميلاته التي كان يسبقها بعامين بكلية الآداب جامعة الخرطوم في سبعينات القرن الماضي و كانت ذات نشاط واسع في الدراما والمسرح .
هناك مبدعون لا يحتاجون إلى ضجيج كي يتركوا أثرًا. كانت هي واحدة منهم ، لم تكتب لتختصر الحكاية، بل لتكثّف الحياة في سطور قليلة، حتى غدت الكلمة نافذة، والجملة وطناً .
جاءت كنسمةٍ رقيقة من بقعةٍ طيبة، أنجبت مبدعين أثروا الوجدان السوداني ورفدوا مشهده الثقافي.
جاءت من ذات الأرض التي احتضنت أزهري محمد علي، ومصطفى سيد أحمد، وغيرهما من صُنّاع الجمال.
تلك هي الحصاحيصا ،
الأرض التي شهدتْ لها صرخة الـميلاد ،
وبذرة البدايات،
و نبتة الـدهشة الأولى،
و لم تتواني رفاعة عن اضافة بصمة رقيقة إلى مسيرة حياتها ،
ثم تأتي جامعة الخرطوم،
لتشكل لها دفقة ارتقاء ،
إلى قبيلة الأدباء،
إنها فاطمة السنوسي.
كتبت فاطمة السنوسي ذات “ومضة”:
«في بلادٍ بعيدة… اتخذتُ مكاني في الصف الطويل انتظارًا للبص. كان وسط الجميع رجلٌ من بلادي،
لفت الأنظار بوسامته ووقاره وجلبابه الأبيض.
جاء البص يتهادى…
ظل الناس واقفين في الصف المنتظم، أما الرجل فقد جمع أطراف جلبابه بين أسنانه، وأطلق ساقيه صوب البص. أشحتُ بوجهي الدامع عن المشهد،
وتنحيتُ عن مكاني في الصف،
ولعنتُ حكام بلادي، وانتظرتُ البص القادم.»
وفي ومضة أخرى قالت:
(تزوج أخرى دون علم الأولى ، إلا أنهما اتفقتا ،وداهمتاه في مكتبه الفاخر ، وجدتا ثالثة جالسة ، تضافرت الجهود وتناوشته النساء من كل جانب، علت الأصوات وارتفعت الحناجر وارتفعت كذلك الفردة اليمنى من كل الأحذية النسائية.
ضاقت عليه الحلقة.
جاء الفرج بدخول سكرتيرته الحسناء. هدأت النسوة حفاظاً على الخصوصية العائلية.
أما السكرتيرة الناعمة في كل شيء فقد وضعت أمامه حزمة من الأوراق لتوقيعها ودست بينها ورقة تطالبه فيها بالطلاق .ثم وقفت تنتظر وهي بكامل حذائها)
هكذا كانت تترك النهاية تؤدي ما تعجز عنه الصفحات الطويلة.
و بهذا التكثيف البالغ و اللغة المقتصدة التي لا تُبقي إلا ما يخدم المعنى، استطاعت فاطمة السنوسي أن تمنح “القصة القصيرة جدًا” روحًا خاصة. ففي هذا النوع الأدبي ، لا تُقاس القيمة بِكَم الكلمات، بل بقدرتها على الإيحاء، وصناعة المفارقة، وإشعال الدهشة .
وقد تعددت أسماء هذا الجنس الأدبي فسماه بعضهم”القصة القصيرة جدًا”
وآخرون اطلقوا عليها اسم “القصة البرقية”،
أو “الومضة”.
غير أن الثابت، في نظر كثير من النقاد
أن فاطمة السنوسي تُعد صاحبة التجربة الأبرز في ترسيخ القصة القصيرة جدًا في السودان، ومن أوائل من كتبوا هذا الفن بوعي نظري، مقرونًا بالممارسة الإبداعية.”
وتذكر فاطمة السنوسي أنها بدأت كتابة هذا اللون منذ عام 1982، ثم شرعت في نشره في الصحف عام 1986 ، متحدثةً منذ ذلك الوقت عن خصائصه الفنية وضوابطه.
ولذلك يعدها كثير من النقاد رائدة هذا الفن في السودان، بل إن بعضهم وسّع دائرة ريادتها لتشمل التجربة العربية، استنادًا إلى تاريخ تجربتها المبكر.
غير أن بعض الباحثين يتحفظون على وصفها بأنها أول رائدة عربية لهذا الجنس الأدبي، لوجود محاولات متقاربة زمنيًا في عدد من البلدان العربية، وهو تحفظ منهجي لا ينتقص من قيمة تجربتها ولا من ريادتها السودانية الراسخة.
ولعل من أبلغ الشهادات على مكانتها أن المغرب يحتضن مسابقة دورية للقصة القصيرة جدًا تحمل اسم فاطمة السنوسي، في تكريم يليق بإحدى أبرز الأصوات العربية في هذا الفن.
“وفي كتاب «ملهمات» يروي الدكتور حسن الجزولي أن أحد المقربين من الدكتور مبارك بشير، عندما سُئل عن صحة رواية انه نظمها في فاطمة السنوسي، لم ينفِ ذلك ، لكنه آثر الحديث مطولًا عن تميز فاطمة السنوسي وفرادتها الإبداعية، وهو ما أبقى الرواية في دائرة الاحتمال، دون أن يرقى بها إلى مرتبة اليقين.”
أما فاطمة السنوسي نفسها، فقد تعاملت مع السؤال برقيها المعهود، وأكدت أن سبعينيات السودان، في جامعة الخرطوم بما شهدته من حراك ثقافي وأدبي وفني وسياسي،تصبح إرثًا ثقافيًا للسودان كله، أكثر منها حكاية تخص أفراداً.
ولعل أجمل ما يختصر عالمها الإبداعي هذه الومضة البديعة:
«التقت الفتاة بصديقٍ قديم… حكى لها عن فكرة تكوين نادٍ للقلوب الخالية، ودعاها للانضمام إليه.
التقيا مرة أخرى، وطال الحديث، وعذب اللقاء…
وقبل أن يفترقا، أيقن كلاهما أنهما فقدا شرط العضوية الوحيد.»
هكذا كانت فاطمة السنوسي، تقول الكثير بالقليل، وتفتح أمام المُتَلَقِي فضاءات واسعة من التأويل، لتغدو الومضة علي يديها عالماً كاملاً لا يقل عمقًا واتساعًا عن الرواية، وإن كُتب في أسطر قليلة .
ربما اعتقد البعض ان فاطمة السنوسي لم تنل من الاحتفاء العربي ما يوازي ريادتها، سواء بسبب المركزية الثقافية التي كثيرًا ما همشت الإبداع السوداني، أو لأن القصة القصيرة جدًا نفسها ظلت طويلًا جنسًا أدبيًا موضع جدل. لكن التجارب الأصيلة لا تقاس بحجم الضجيج الذي يحيط بها، وإنما بقدرتها على البقاء.
لقد كتبت فاطمة السنوسي نصوصًا قصيرة في عدد كلماتها، لكنها إتسعت في أثرها ، حتى غدت وطنًا كاملًا، تسكنه الدهشة، ويقيم فيه المعنى أكثر مما تقيم الكلمات .
وذلك هو الإرث الحقيقي للمبدعين ، حتي و ان غابوا عن المشهد، تبقى كلماتهم منقوشة في الذاكرة.

Leave a Reply