يوسف الغوث
في زمن تتهاوى فيه الجدران على رؤوس الحروف، وتغادر الكلمات منازلها هاربةً من أزيز الرصاص، يصبح القلم رحلةً في متاهات الغياب، ويتحول الحبر إلى دمٍ يائس يبحث عن شرايين تنبض، ويتحول الصمت إلى لغزٍ يعجز النار عن إذابته.
إن الح.رب التي اجتاحت الخرطوم لم تدمّر حجارة المباني فحسب، بل اقتلعت ألسنة الفكر من جذورها، وشردت أقلاماً كانت تكتب وعي الأمة على ورقٍ لا يحتمل.
من بين تلك الأقلام التي اختطفها المنفى وغيّبتها رحى القتال، برز اسم الكاتب والصحفي السوداني عبد الله الشيخ، صاحب العمود الأثير (خط الاستواء) الذي ظل منطقة اشتباك حامية مع قضايا الهوية والسياسة، بأسلوب ناصع تارة وساخر تارة أخرى.
لكنه اليوم يقيم بصمتٍ مقيت في العاصمة الرواندية كيجالي، بعيداً عن ضجيج الخرطوم الذي أصبح حكايا تُروى بالدموع.
لم يكن الاتصال الهاتفي الذي جمعني به يندرج ضمن تحضير مسبق أو تكليفٍ من ملف ثقافي بعينه، بل كان القدر الصحفي هو من رتب تلك الصدفة؛ حيث طلب الأستاذ أبو سيمازة رقم جوالي، مبرراً ذلك بأنه تعرف عليّ من خلال كتاباتي المتواضعة في ملف الهدف الثقافي.
انفتح بيننا حوار ساخن لم يكن مجرد مقابلة عابرة، بل كان أشبه بجلسة تأبين حي لوطن يموت أمام أعيننا؛ حيث دار النقاش بشجون حول وحشية الح.رب التي تمزق النسيج الاجتماعي، ومرارة اللجوء الذي يسلب الإنسان هويته قبل ممتلكاته، وتوقف عموده الشهير عن الصدور والذي لم يكن تراجعاً شخصياً أو هزيمة نفسية، بل كان نتيجة طبيعية لتدمير المؤسسات وانقطاع شبكات التواصل واشتداد الملاحقات الأمنية التي جعلت الكتابة المنتظمة مغامرة تهدد الحياة لا مجرد فعل إبداعي.
لكن المفاجأة الحقيقية في ذلك الحوار الليلي الذي امتد حتى كاد الصباح يطل من خلف التلال الرواندية، كانت في انعطافته العميقة نحو عالم التصوف؛ حيث تحدث الأستاذ عن المحبة الصوفية بتجردٍ نادر، وكيف أن الطرق الصوفية في السودان ظلت دوماً جسراً للعبور فوق مستنقعات السياسة الفاسدة، ونبعاً للروحانيات التي لم تنضب رغم كل الجفاف، وكيف أن الحب في التصوف ليس مجرد شعور عابر، بل هو حالة وجودية تعاند منطق الحروب وتتسلق جدران الكراهية التي يبنيها السياسيون بأيدٍ ملطخة بالدماء.
كان صوته وهو يروي تلك الحكايا يختلط بصدى أذان الخرطوم البعيد، وكأن المسافة تتلاشى لتعيده إلى زقاق الطيبة ومجالس الذكر التي تحولت اليوم إلى أطلال.
إن الرجل في منفاه الرواندي لم يفقد إيمانه، بل بدا لي كالنخلة التي اقتلعت من جذورها لكنها ما زالت تعطي تمراً، وهو يحاول من بعيد إعادة ترتيب شتاته الإبداعي، وقراءة المأساة الحالية من زاوية مغايرة؛ زاوية لا ترى في الح.رب إلا فشلاً ذريعاً للإنسانية قبل أن تكون فشلاً سياسياً.
وها أنا أكتب هذه السطور الآن لأشهد أن غياب (خط الاستواء) ليس غياب عمود صحفي تقليدي، بل هو غياب لبوصلة أخلاقية كانت تنحت في وجوهنا مرآة الحقيقة، وإن توقفه القسري هو انعكاس لحالة الاستواء المريرة التي تساوت فيها مصائر السودانيين بين الفقد والموت والتهجير.
يظل الأمل معقوداً على أن الحبر لا يموت، وأن القلم الصامت قد يعود يوماً ليكتب بمدادٍ جديد.
لا يسعني إلا أن أرفع قبعتي احتراماً لملف الهدف الثقافي الذي لم يمنحني فضاءً للنشر والتعبير فحسب، بل منحني شرف التعرف على أفذاذ من طراز نادر، كالصحفي الأستاذ عبد الله الشيخ، الذي علّمني في ساعات حوار معدودة أن الصوفية قد تكون آخر معاقل المحبة في وطنٍ تآكلت فيه كل القيم، وأن الكتابة في زمن الح.رب ليست مهنة، بل هي معركة وجود ورسالة نور لا تخبو مهما تكاثفت ظلمات المنافي.
شكراً استاذنا عبد الله الشيخ
شكراً استاذنا أبو سيمازة
شكراً ملف الهدف الثقافي
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #يوسف_الغوث #عبدالله_الشيخ #معركة_الوعي

Leave a Reply