طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
تحميل الأرض والسماء -في سبيل البعث
ليست أعظم الأفكار تلك التي تقدم حلولاً سياسية مباشرة، وإنما تلك التي تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة نفسها. فقبل أن يبني الإنسان دولةً، أو يقود ثورةً، أو يضع دستوراً، يكون قد كون تصوراً معيناً عن معنى الحياة، وعن العلاقة بين الواجب والرغبة، وبين التضحية والمنفعة، وبين الواقع والمثال. ولهذا لم يكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، في مقاله (الأرض والسماء)، يناقش قضية أخلاقية عابرة أو يكتب تأملاً أدبياً، بل كان يؤسس لفلسفة كاملة في بناء الإنسان، وهي الفلسفة التي ستصبح لاحقاً الأساس الخفي لفكره القومي كله.
وإذا كنا نقرأ هذا النص اليوم، بعد أكثر من ثمانين عاماً على كتابته في عام 1944، فإننا لا ننسى أن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق كان يكتب في خضم مرحلة تأسيسية للحركة القومية العربية، في ظل هيمنة استعمارية واضحة، ووسط أوساط سياسية وثقافية عربية كانت تعاني من التشرذم والتبعية. وهذا السياق التاريخي يفسر لماذا كان الأستاذ أحمد ميشيل عفلق شديد الاهتمام ببناء الإنسان وتحريره من الأوهام، ولماذا كان يرى أن النهضة تبدأ من تغيير الوعي قبل تغيير المؤسسات. ففي زمن كان فيه المستعمر يسيطر على الأرض والمؤسسات، كان الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يدرك أن المعركة الحقيقية هي معركة وعي وروح، وأن تحرير الأرض يبدأ بتحرير السماء، أي تحرير العقل والإرادة من أوهام الاستسلام والتبعية.
فالنهضة، في نظره، لا تبدأ عندما تتغير الأنظمة، وإنما عندما يتغير تصور الإنسان للحياة. ولذلك جاءت هذه الصفحات محاولة لتحرير الإنسان من أوهام كثيرة حكمت سلوكه، وأبعدته عن فهم القانون الحقيقي الذي يحكم الارتقاء الإنساني.
غير أن قراءة متأنية لنص الأستاذ أحمد ميشيل عفلق تكشف أنه لا يتحدث عن (سماء) واحدة، بل يميز بين مستويات مختلفة منها. فهناك السماء الحقيقية، التي هي مطالب العقل والروح، ولذات الحياة العليا وواجباتها، وهي التي تمنح الحياة معناها وقيمتها. وهناك السماء الزائفة، التي هي أوهام وأحلام لا تستند إلى جهد أو تضحية، وهي التي يصفها الأستاذ أحمد ميشيل عفلق بأنها (حقيرة إلى حد أن المرء يتناولها وهو جالس، كاذبة زائفة يربحها بخدع القمار). وهناك أيضاً السماء التي تتخذ وسيلة بدلاً عن غاية، حين تصير المشقة غاية في ذاتها، ويتحول العمل إلى (رياضية وبهلوانية)، كما يقول الأستاذ أحمد ميشيل عفلق.
يؤكد الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في مستهل مقاله أن هناك (وهمان يجب أن يبددا، الأول أن نحسب السماء تُنال بلا مشقة، والثاني حساب المشقة وحدها موصلة إلى السماء، أو أنها هي السماء).
الوهم الأول: السماء ليست طريقاً بلا مشقة
يفتتح الأستاذ أحمد ميشيل عفلق النص بتحديد ما يسميه (الوهمين)، اللذين ينبغي القضاء عليهما، وكأنه يريد أن يقول إن النهضة تبدأ أولاً بتصحيح التفكير قبل تغيير الواقع. يقول: (وهناك وهمان يجب أن يبددا، الأول أن نحسب السماء تُنال بلا مشقة). وهنا لا يقصد السماء بمعناها الديني المجرد، وإنما يقصد عالم القيم العليا، عالم الرسالة، والإبداع، والحرية، والبطولة، وكل ما يسمو بالإنسان فوق غرائزه اليومية.
إن الإنسان بطبيعته يميل إلى رؤية النتائج دون أن يرى الطريق إليها. يعشق القمة، لكنه يكره الصعود. يريد المجد، لكنه يخاف ثمنه. ولهذا يذكرنا الأستاذ أحمد ميشيل عفلق بأن كل قيمة عظيمة تسبقها مشقة عظيمة، وأن الطريق إلى الارتفاع لا يمكن أن يكون ممهداً. ولعل أجمل صورة فلسفية في هذا السياق قوله: (الجناحان يطيران بك إذا رميت كثيراً من أحمالك حتى يستطيع حملك). إنها استعارة مدهشة، فالإنسان لا يعلو لأنه يضيف إلى نفسه، بل لأنه يتحرر مما يثقله. فالشهوات، والخوف، والكسل، والأنانية، ليست مجرد عيوب أخلاقية، بل أثقال تمنع الروح من الطيران. ولهذا تصبح الحرية الحقيقية عملية تخفف لا عملية تراكم.
الوهم الثاني: ليست كل مشقة فضيلة
لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لا يقع في الخطأ المقابل. فبعد أن يهدم وهم الطريق السهل، يهدم وهماً آخر أكثر خطورة، وهو الاعتقاد أن المشقة قيمة في ذاتها. فيقول: (والوهم الثاني هو أن نحسب مجرد تحمل المشقة الكبيرة دليلاً على الصبر الكبير). وهنا تبلغ الفلسفة ذروة نضجها. فليست البطولة في التعب وحده. وليست التضحية خيراً لأنها تضحية، بل لأن لها غاية تستحقها. كم من إنسان أتعب نفسه في باطل. وكم من شعب تحمل آلاماً هائلة دون أن يتقدم خطوة واحدة. ولهذا تصبح المشقة، إذا انفصلت عن الهدف، نوعاً من العبث.
لأن قيمة الطريق لا تأتي من صعوبته، وإنما من الوجهة التي يقود إليها. ولهذا يكتب عبارته الحاسمة: (إذا كانت السماء وعرة الطريق، فكل طريق وعرة توصل إليها). أي أن المشقة لا تمنح المعنى، بل المعنى هو الذي يمنح المشقة قيمتها.
الأرض والسماء: ليستا خصمين
ثم ينتقل الأستاذ أحمد ميشيل عفلق إلى واحدة من أعمق الأفكار في الكتاب كله. إنه يرفض الثنائية التي سيطرت طويلاً على الفكر الإنساني؛ ثنائية المادة والروح. فيكتب: (لا مفر من هذا التعبير الأرض والسماء… فهو جوهري دائم للعالم). لكن المفاجأة أنه لا يجعل الأرض عدواً للسماء، بل يعرف كل واحدة تعريفاً جديداً. فالأرض هي حاجات الجسد، والعمل، والمعاش، والواجبات اليومية. أما السماء فهي مطالب العقل، والروح، والحياة العليا. ومن هنا لا تصبح المشكلة في وجود الأرض، وإنما في أن تتحول إلى غاية نهائية. فالسماء لا تلغي الأرض، والأرض لا ينبغي أن تطفئ السماء. إنهما يشكلان معاً وحدة الحياة الإنسانية. ولهذا يرفض الأستاذ أحمد ميشيل عفلق الرهبانية كما يرفض المادية. ويرفض الانغماس في اللذة كما يرفض احتقارها. فالإنسان الكامل ليس من يعيش في السماء، ولا من يغرق في الأرض، وإنما من يمنح كل واحدة مكانها الصحيح.
ورغم عمق هذه الرؤية الفلسفية، فإنها لم تكن مجرد تأمل أخلاقي منعزل، بل كانت جزءاً من مشروع قومي نهضوي متكامل. فالأستاذ أحمد ميشيل عفلق كان يكتب في سياق سعيه لتأسيس حركة قومية عربية، وكان يرى أن النهضة لا تتحقق بتغيير الأنظمة فحسب، بل بتغيير الإنسان ذاته. فالعلاقة بين الأرض والسماء، في هذا السياق، هي العلاقة بين الواقع العربي الراهن والمثال القومي المنشود. فلا يمكن للأمة أن تنهض إذا انشغلت بأرضها فقط (أي واقعها المادي المتخلف)، ولا إذا هربت إلى سماء وهمية (أي أحلام لا تستند إلى جهد). النهضة، في رؤية الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، تبدأ عندما تتصالح الأمة العربية مع أرضها، وتفهم قوانين واقعها، وفي الوقت نفسه تظل مشدودة إلى سماء قيمها ومبادئها.
وهذا ما يفسر إصرار الأستاذ أحمد ميشيل عفلق في نصوص أخرى على أن (المثالي يجب أن يكون واقعياً كي يقدر على تحقيق مثله في العمل)، كما ورد في مقال (المثالية الواقعية) الذي كتبه عام 1943، أي قبل عام من كتابة (الأرض والسماء). فالأرض والسماء، في منظومة الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، ليستا خصمين، بل هما قطبا الحياة الإنسانية التي لا تكتمل إلا بهما معاً.
قوانين الحياة: تُكتشف في التجربة
ومن أكثر الأفكار أصالة في هذا النص قوله: (للحياة قوانين… بينها وبين قوانين الطبيعة الفرق الجوهري، فقوانين الطبيعة تُكتشف مرة واحدة، وقوانين الحياة يجب على كل فرد أن يكتشفها في حياته من جديد). هذه الفقرة وحدها تصلح أن تكون موضوعاً لكتاب كامل. فالإنسان لا يرث الحكمة كما يرث المعلومات. يمكنه أن يقرأ آلاف الكتب عن الشجاعة، لكنه لن يعرف معناها حتى يواجه الخوف. فالمعرفة الحقيقية ليست نقلاً للخبرات، بل إعادة اكتشاف من خلال التجربة الشخصية. ويمكنه أن يحفظ كتب الأخلاق كلها، لكنه لن يعرف الصدق حتى يُختبر. إن المعرفة الحقيقية ليست نقل خبرة الآخرين، بل إعادة اكتشافها داخل التجربة الشخصية. ولهذا فإن التربية ليست تلقيناً، وإنما إعداد للإنسان كي يكتشف قوانين الحياة بنفسه.
غير أن فكرة اكتشاف قوانين الحياة تحمل أبعاداً نفسية عميقة، لا تقل أهمية عن أبعادها الفلسفية. فاكتشاف قوانين الحياة، عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق، ليس مجرد عملية معرفية، بل عملية وجودية تتعلق بتكوين الشخصية وبناء الوعي الذاتي من جذوره. فالإنسان لا يكتشفها عبر التأمل النظري، بل عبر المواجهة الحية للخوف، والألم، والفشل، والمسؤولية. والوهمان اللذان يتحدث عنهما ليسا مجرد أخطاء فكرية، بل آليات نفسية دفاعية: فالوهم الأول ينبع من رغبة الإنسان في تحقيق المكاسب دون ثمن، والوهم الثاني ينبع من حاجته إلى تبرير معاناته حتى لو كانت بلا معنى. وهكذا، يضعنا الأستاذ أحمد ميشيل عفلق أمام حقيقة أن التغيير الحقيقي يبدأ من تحرير النفس من أوهامها، ومن بناء وعي جديد بالذات والعالم، قبل أن يبدأ بتغيير الأنظمة والمؤسسات.
لا ربح بلا خسارة
ويقدم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق بعد ذلك ما يشبه القانون الوجودي للحياة: (لا ربح بلا خسارة، والرابح الأعلى هو الذي يقبل أن يخسر كل شيء، يستطيع وحده أن يأمل بالربح الأكبر). إنها ليست دعوةً إلى الخسارة أو إلى المغامرة غير المحسوبة، وإنما تأكيدٌ على أن النضال هو جهدٌ واعٍ تقترن به التضحية. أما كيفية التضحية، وحجمها، وحدودها، فإنها لا تُحدَّد بالعاطفة أو الاندفاع، بل ترسمها الأهداف المنشودة، وتفرضها معطيات الواقع، وتمليها طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها الإنسان أو الأمة. ولا أمة عظيمة دون أجيال دفعت ثمن عظمتها. إن الإنسان الذي يريد كل المكاسب دون أن يدفع شيئاً، يعيش وهماً. ولهذا فإن الربح الحقيقي لا يقاس بما نكسبه، بل بما أصبحنا عليه ونحن نسعى إليه.
أخطر أوهام العصر
وحين نقرأ هذا النص اليوم، ندرك أنه كُتب لزماننا أكثر مما كُتب لزمنه. فنحن نعيش عصر النتائج السريعة. يريد الإنسان النجاح بلا صبر، والثروة بلا إنتاج، والشهرة بلا موهبة، والسلطة بلا مسؤولية، والتغيير بلا تضحية. إن الثقافة الرقمية غذّت وهماً جديداً، وهو أن الحياة يمكن أن تُختصر في طرق مختصرة. لكن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق يذكرنا بأن قوانين الحياة لم تتغير. فالسماء ما زالت بعيدة، والطريق إليها ما زال يحتاج إلى إرادة.
قراءة معاصرة: بين الواقعية والرسالة
ولا يمكن قراءة هذا النص بمعزل عن بقية فكر الأستاذ أحمد ميشيل عفلق. فالإنسان الذي يريده هو الإنسان الذي يعيش على الأرض، لكنه لا يسمح للأرض أن تسجن روحه. يعمل في السياسة، لكنه لا يبيع مبادئه. يبني الاقتصاد، لكنه لا يحول الإنسان إلى آلة إنتاج. يحترم الواقع، لكنه لا يقدسه. إنها فلسفة التوازن. وهي، في جوهرها، دعوة إلى أن تكون النهضة مشروعاً أخلاقياً قبل أن تكون مشروعاً سياسياً.
خاتمة
ليس (الأرض والسماء) مقالاً عن الزهد، ولا عن التصوف، ولا عن الأخلاق المجردة. إنه محاولة لإعادة تعريف الإنسان. فالسماء عند الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ليست هروباً من الأرض، بل المعنى الذي يمنح الأرض قيمتها. والأرض ليست سجناً للروح، بل الميدان الذي تختبر فيه صدق الرسالة. ولهذا فإن النهضة لا تتحقق حين نختار السماء ونترك الأرض، ولا حين نستغرق في الأرض وننسى السماء، وإنما حين ندرك أن الإنسان خُلق ليحمل الاثنين معاً، أن يعيش الواقع بكل مسؤولياته، وأن يظل في الوقت نفسه مشدوداً إلى المثال الذي يسمو به.
وربما كانت الرسالة الأعمق لهذا النص أن الأمم لا تنهض لأن لديها أحلاماً كبيرة فقط، ولا لأنها تتحمل مشقات عظيمة فقط، وإنما لأنها تعرف لماذا تحلم، ولماذا تتألم، ولأنها تؤمن بأن الطريق إلى السماء لا يبدأ بالقفز فوق الأرض، بل بالسير عليها بثبات، حتى تصبح الأرض نفسها بدايةً للسماء.
#صحيفة_الهدف #طارق_عبداللطيف_أبوعكرمة #أحمد_ميشيل_عفلق #معركة_الوعي

Leave a Reply