أمجد السيد
في بعض اللحظات، يعجز العقل عن تصديق ما تراه العين، فتسأل نفسك هل هذا واقع نعيشه، أم مشهد من كاميرا خفية أُعدت للسخرية من شعب أنهكته المآسي؟
تابعت، كما تابع غيري مشاهد أثارت في نفسي دهشةً وغضبًا. ولم يكن سبب الدهشة شخصًا بعينه، وإنما الرسالة التي تحملها تلك المشاهد. فقد أظهر مقطع متداول تجول أحد أبواق الح.رب في سوق ليبيا، وخلفه جندي بكامل عتاده العسكري، في مشهد أثار كثيرًا من التساؤلات. وسواء كانت الواقعة تحمل دلالات مقصودة أم لا فإن الرسالة التي توحي بها مثل هذه المشاهد في بلد يحترق منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويعيش واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، تستحق التوقف عندها.
في السودان اليوم يبدو أن كل شيء أصبح قابلًا للتأجيل، إلا الح.رب.
يمكن تأجيل المرتبات وتأجيل العلاج، وتأجيل التعليم، وتأجيل إعادة الإعمار، وتأجيل عودة النازحين، وحتى تأجيل دفن أحلام الملايين. أما الح.رب، فلا يجوز أن تتوقف، لأنها أصبحت المشروع الوحيد الذي يعمل بكامل طاقته.
صرنا نرى وطنًا تُغلق فيه المستشفيات، وتتعطل المدارس، وتنهار الخدمات، وتفقد الأسر مصادر رزقها، بينما تظل ماكينة الح.رب وحدها تعمل بلا كلل ولا ملل، تلتهم الأموال والرجال والأحلام، ثم تطلب المزيد.
المواطن السوداني لم يعد يعيش على أمل تحسين حياته، بل على أمل أن ينجو بيومه فقط.
لم تعد الدولة شريكًا في تخفيف معاناة الناس، بل يشعر كثير من المواطنين بأنها أصبحت حاضرة عند التحصيل أكثر من حضورها عند تقديم الخدمة. الرسوم تتزايد، والأعباء تتضاعف، بينما تتراجع الخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة، فيجد المواطن نفسه يدفع ثمن الحرب من لقمة عيشه قبل أي شيء آخر.
المأساة الحقيقية ليست في استمرار المعارك وحدها، وإنما في أن الح.رب خلقت طبقة كاملة تعيش عليها. هناك من لا يرى في السلام مصلحة، لأن الح.رب بالنسبة إليه أصبحت سلطة، ونفوذًا، ومالًا، ومنبرًا، وحضورًا إعلاميًا.
كلما ارتفع صوت العقل، غطى عليه ضجيج التحريض.
وكلما دعا الناس إلى السلام، خرج من يطالب بالمزيد من الدم.
وكلما اقترب السودانيون من التفكير في مستقبل أبنائهم، أعادتهم أبواق الح.رب إلى المربع الأول، وكأن هذا الوطن كُتب عليه أن يعيش أسيرًا للبارود.
لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها واضحة كالشمس.
لن ينتصر أحد.
فالجيش سيخرج من الح.رب مثقلًا بالجراح، والدعم السريع سيخرج منها مثقلًا بالدم والدمار، والمواطن هو الخاسر الذي لم يختر هذه الح.رب أصلًا.
لقد خسرنا مدنًا، وقرى، ومصانع، وجامعات، ومستشفيات، وخسرنا ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، وخسرنا الثقة، وخسرنا الزمن.
فأي نصر هذا الذي يُحتفل به فوق أنقاض وطن؟
وأي مجد يُبنى فوق دموع الأمهات، وصراخ الأطفال، وطوابير الجوع، وحقائب النزوح؟
إن الأمم لا تنهض بمن يمجد الح.رب، وإنما بمن يوقفها.
ولا تبني مستقبلها بمن يوزع الكراه.ية، وإنما بمن يزرع الأمل.
سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الح.رب، وسيجلس السودانيون جميعًا حول طاولة واحدة، لأن ذلك هو المصير الذي لا مفر منه. وعندها سيكتشف الجميع أن آلاف الأرواح التي أُزهقت، ومليارات الدولارات التي أُهدرت، والسنوات التي سُرقت من عمر الوطن، كان يمكن تجنبها لو انتصر صوت الحكمة قبل صوت البندقية.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المحرضين، ولا إلى مزيد من الخطب التي تؤجج الصراع.
إنه يحتاج إلى دولة تعود إلى شعبها، وإلى حكومة تجعل الإنسان أولًا، وإلى مشروع وطني يعيد للناس الإحساس بأن هذا الوطن خُلق للحياة، لا للموت.
فالحرب لا تصنع الأوطان بل تصنع المقابر.
أما الأوطان، فلا يبنيها إلا السلام.

Leave a Reply